آخر تحديث :الخميس-08 يناير 2026-04:50م

حين يصبح عقل القائد مدخلًا لفهم التحديات المعاصرة

الإثنين - 29 ديسمبر 2025 - الساعة 03:26 م
نجيب الكمالي

بقلم: نجيب الكمالي
- ارشيف الكاتب


في عالمٍ لم تعد فيه التحديات محصورة في الجغرافيا أو في أنماط التهديد التقليدية، تواجه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا واقعًا معقدًا تتداخل فيه الأزمات الأمنية مع الانقسامات الاجتماعية، وتتقاطع فيه السلطة مع المطالب الإنسانية، وتتشابك فيه أدوات القوة مع أزمة ثقة متنامية. في هذا السياق، لم تعد الإشكالية الأساسية تكمن في امتلاك القوة بحد ذاتها، بل في طبيعة العقل الذي يديرها، والضمير الذي يوجّه استخدامها.

من هنا، تبرز أهمية العمل البحثي الذي لا تزال الزميله الدكتورة آمنة الريسي في طور إعداده، ضمن مسارها لنيل درجة الدكتوراه في الصحة النفسية والإرشاد النفسي. فقد شرعت الباحثة في المرحلة الأولى من دراستها، والمتمثلة في وضع الإطار النظري وتصميم استبيان علمي يهدف إلى قياس فاعلية الاختبارات النفسية والسلوكية في تقييم كفاءة القيادات العليا في الأجهزة الأمنية والعسكرية، بوصفها مدخلًا لفهم أزمة القيادة في المنطقة، لا كظاهرة عابرة، بل كجذر عميق لكثير من الإشكالات القائمة.

تنطلق هذه الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن القيادة ليست مجرد منصب أو سلطة إدارية، بل حالة إنسانية مركبة، تتداخل فيها الصحة النفسية مع السلوك الأخلاقي، ويتقاطع فيها القرار الأمني مع المسؤولية الاجتماعية. ومن هذا المنطلق، تسعى الباحثة، من خلال إعداد الاستبيان، إلى إعادة طرح سؤال طالما جرى تجاهله:

هل يكفي امتلاك السلطة أو الرتبة لاعتبار الشخص مؤهلًا نفسيًا وسلوكيًا لقيادة مؤسسات حساسة؟

وفي بيئات صراع ممتدة، يصبح هذا السؤال بالغ الأهمية، لأن أي خلل نفسي أو سلوكي في موقع القيادة لا يبقى أثره محصورًا في دائرة الفرد، بل يمتد ليصبح أزمة مؤسسية ومجتمعية، تنعكس على الأمن والاستقرار والعلاقة مع المجتمع.

وتتمحور المرحلة الحالية من الدراسة حول بناء أداة قياس علمية، تتمثل في استبيان يركز على مجموعة من المؤشرات النفسية والسلوكية، مثل الاتزان الانفعالي، والقدرة على إدارة الضغوط، وأنماط اتخاذ القرار، ومستوى الالتزام الأخلاقي، وأساليب التواصل وبناء الثقة. ولا يُنظر إلى هذه المؤشرات بوصفها أدوات إقصائية أو رقابية، بل كوسائل وقائية تسهم في الكشف المبكر عن أنماط القيادة، وتحديد جوانب القوة والخلل قبل تفاقمها.

وفي سياق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تكتسب هذه المقاربة البحثية أهمية مضاعفة، في ظل تراجع الثقة بين قطاعات واسعة من المجتمع والمؤسسات الأمنية والعسكرية. ويُفترض أن تسهم نتائج الاستبيان لاحقًا في تقديم قراءة علمية لمدى ارتباط غياب التقييم النفسي والسلوكي بصعود أنماط قيادية تتسم بالعنف المفرط، أو الجمود، أو الشخصنة، أو إدارة الأزمات بعقلية ردّ الفعل بدلًا من التفكير الاستباقي.

ولا يقتصر الهدف من هذه الدراسة على تقييم الأفراد فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى فهم البنية الثقافية للمؤسسات التي تنتج القيادات. فحين تصبح معايير الصحة النفسية، والذكاء السلوكي، والمسؤولية الأخلاقية جزءًا من منظومة الاختيار والتأهيل والترقية، فإن ذلك يمهّد لتحول تدريجي في الثقافة المؤسسية، من منطق السيطرة إلى منطق المسؤولية، ومن إدارة بالقوة إلى إدارة بالوعي.

كما تسعى الدراسة، في مراحلها اللاحقة، إلى استكشاف العلاقة بين الاتزان النفسي للقيادة والاستقرار المجتمعي، انطلاقًا من قناعة بأن الأمن الحقيقي لا يتحقق عبر التفوق العسكري وحده، بل عبر قرارات متوازنة يقودها عقل قادر على قراءة المجتمع، وتقدير كلفة القرار، وفهم تعقيدات الواقع.

ولا تزال هذه الدراسة في طور البناء، غير أن أهميتها تكمن في الأسئلة التي تطرحها قبل النتائج التي ستصل إليها. فالتحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في إنتاج المعرفة الأكاديمية، بل في الاستعداد المؤسسي لتبنيها لاحقًا، وتحويلها إلى سياسات اختيار وتدريب وتقييم، تعترف بأن أزمة القيادة في كثير من السياقات ليست نتيجة الأزمات، بل أحد أسبابها الرئيسية.

إن العمل البحثي الذي شرعت فيه الدكتورة آمنة الريسي يفتح بابًا لنقاش جاد حول معنى القيادة في زمن الأزمات، وحول الحاجة إلى إعادة الاعتبار لعقل القائد وسلوكه وضميره بوصفها عناصر مركزية في معادلة الأمن والاستقرار. وإذا ما كُتب لهذا المسار البحثي أن يُستكمل ويُفعل، فقد يشكل خطوة مهمة نحو بناء قيادات قادرة على إدارة التحديات دون أن تتحول إليها، وعلى حماية المجتمع دون أن تفقد إنسانيته، وعلى توجيه القوة لتكون أداة استقرار لا سببًا لاضطرابه.