آخر تحديث :الخميس-08 يناير 2026-04:50م

حكمة سقراط ودهاء الدكتورة آمنة الريسي: دمج الفلسفة والأدوات العلمية لبناء القيادة المستقرة

الثلاثاء - 30 ديسمبر 2025 - الساعة 05:45 م
نجيب الكمالي

بقلم: نجيب الكمالي
- ارشيف الكاتب


في عالم تتشابك فيه الأزمات الأمنية والاجتماعية، وتزداد التعقيدات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لم تعد القوة أو المنصب وحدها كافية لضمان الاستقرار أو إدارة الصراعات بفعالية. فالقيادة اليوم تتطلب قدرة عقلية ونفسية وأخلاقية متكاملة، تمكّن القائد من التمييز بين الصواب والخطأ، والموازنة بين مصالح الدولة والمجتمع، واتخاذ القرارات الحاسمة تحت ضغوط هائلة دون الانجرار وراء الانفعالات أو المصالح الشخصية.

هنا تتجلّى حكمة سقراط، الذي علمنا أن القائد الحقيقي هو من يسعى دائمًا للسؤال والتأمل والبحث عن الحقيقة، ويوازن بين العقل والضمير قبل أن يحسم أي قرار. سقراط لم يكتفِ بالنظرية الأخلاقية، بل قدّم نموذجًا عمليًا للقيادة الواعية القائمة على المعرفة، التفكير النقدي، الحوار، والالتزام بالقيم الأخلاقية، ليصبح القرار فعلًا مسؤولًا تتحمل تبعاته المجتمع بأكمله. هذه الفلسفة تمثل البوصلة التي تحتاجها أي قيادة في زمن الأزمات، حيث يصبح العقل الموجه بالضمير الحامي الحقيقي للاستقرار، وليس مجرد القوة الظاهرة أو المنصب الرسمي.

ومن جانبها، يظهر دهاء الدكتورة آمنة الريسي في ترجمة هذه الحكمة الفلسفية إلى أدوات عملية على أرض الواقع، من خلال بحثها حول فاعلية الاختبارات النفسية والسلوكية في قياس كفاءة القيادات العليا في الأجهزة الأمنية والعسكرية. فالبحث لا يركز على المنصب أو الشكل الرسمي للسلطة، بل يسعى إلى تقييم التوازن النفسي، ضبط الانفعالات، القدرة على إدارة الأزمات، والالتزام بالقيم الأخلاقية للقيادات. ومن خلال هذا النهج، تتحول القيادة من ممارسة للسلطة إلى عملية علمية قائمة على المعرفة والقياس، ما يتيح اختيار قادة قادرين على مواجهة الصراعات بوعي ومسؤولية، وحماية المجتمع دون المساس بإنسانيته.

إن دمج حكمة سقراط مع أدوات القياس العلمية التي ابتكرتها الدكتورة الريسي يخلق نموذجًا فريدًا للقيادة، يجمع بين الفلسفة الأخلاقية والدقة العلمية. يصبح القائد عنصر أمان واستقرار قادر على توجيه القرارات بما يخدم المجتمع ويحقق العدالة، فلا يكون مجرد رمز للقوة أو السلطة. وعندما تتوافر هذه المعايير—العقل المتزن، الضمير الواعي، والكفاءة النفسية والسلوكية—تصبح القيادة أداة فعالة لبناء الثقة بين المؤسسات والمجتمع، وتحويل القوة إلى سبب للاستقرار لا للفوضى والانقسام.

يمثل البحث الذي تقوده الدكتورة الريسي خطوة نوعية نحو إعادة تعريف القيادة في زمن الأزمات، حيث يتحول القرار الأمني والسياسي إلى امتداد للضمير، وتصبح القدرة على التفكير العقلاني أداة لحماية المجتمع، والمهارات النفسية والسلوكية قاعدة لضمان استقرار المؤسسات والمجتمعات على حد سواء. بهذا النهج، يلتقي العقل والفلسفة مع العلوم التطبيقية، ليصبح القائد المؤهل عنصر استقرار حقيقي، والقيادة أداة حماية مستدامة تعكس قوة المجتمع لا تهديده، وتؤسس لمرحلة جديدة من الأمن والثقة والاستقرار في منطقة طالما عانت من