آخر تحديث :الخميس-08 يناير 2026-04:50م

من الداخل يبدأ التغيير: فرويد، سقراط، وآمنة الريسي نموذج القيادة الواعية

الأربعاء - 31 ديسمبر 2025 - الساعة 06:14 م
نجيب الكمالي

بقلم: نجيب الكمالي
- ارشيف الكاتب



في عالم تتسارع فيه الأحداث، وتتشابك فيه الضوضاء بالشعارات، يظل صوت الوعي الداخلي كنبع هادئ يهمس للإنسان بأن القيادة الحقيقية تبدأ من الداخل. ليست مكانة أو منصبًا، ولا قوة ظاهرية، بل رحلة نحو الذات تتطلب فهم النفس، وضبط الانفعالات، واكتشاف الدوافع الخفية التي تتحرك في أعماقنا. من هذه الرحلة الداخلية ينبع فهم الإنسان لنفسه، ومن إدراك الذات يبدأ التغيير الذي يمتد ليصل إلى المجتمع بأسره، إلى منظومة العلاقات والمسؤوليات التي تشكّل مستقبل الجماعة ومستقبل الإنسان.

وفي عمق النفس البشرية يتجلى أثر سيجموند فرويد، الذي كشف عن طبقات اللاوعي وصراعاتها الداخلية، وأظهر أن الكثير من قراراتنا اليومية تتشكل من خلال القوى الصامتة: الخوف والطموح والرغبة في الاعتراف أو التفوق، كلها تتحرك في الخلفية وتترك بصماتها على سلوكنا واختياراتنا. وفهم هذه الطبقات أصبح شرطًا لأي قائد يسعى إلى الوعي الحقيقي، لأنه يمنحه القدرة على التصرف بحكمة، بعيدًا عن الانفعالات والمصالح الشخصية الضيقة، ويحوّل قراراته إلى مزيج متناغم من العقل والضمير والنية الصادقة.

ويتقاطع هذا العمق النفسي مع حكمة سقراط، الفيلسوف الذي علم أن العقل والضمير هما ميزان القيادة، وأن كل قرار يجب أن ينبع من المعرفة والقيم الأخلاقية، لا من المصالح العابرة أو الانفعالات المؤقتة. سقراط علمنا أن القيادة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون سلطة، وأن القائد الحقيقي هو من يفهم ذاته ويوازن بين فكره وضميره، ويجعل من كل فعل قرارًا واعيًا، ومن كل قرار أثرًا خالدًا. إنه من يعي أن التغيير يبدأ من الداخل، وأن من ينتصر على نفسه قبل أن يسعى لتغيير الآخرين يمتلك مفاتيح القيادة الحقيقية، قيادة تُبنى على الحكمة والتوازن والثبات النفسي.

وفي هذا المشهد، تضيء الدكتورة آمنة الريسي كرمز للوعي والتوازن والإلهام. فهي لا تكتفي بالتأمل الفلسفي أو التحليل النفسي النظري، بل تستخدم أدوات علمية دقيقة، واختبارات نفسية وسلوكية متقدمة لتحويل القيادة من مفهوم نظري إلى ممارسة عملية قابلة للقياس، والاختبار، والتطوير المستمر. تختار القادة الذين يمتلكون التوازن النفسي، والوعي الذاتي، والقدرة على إدارة الأزمات، واتخاذ القرارات المسؤولة، فتجعل من القيادة تجربة متكاملة تمتد من الداخل إلى كل من حول القائد، من أفراد مؤسسته إلى المجتمع الذي يقوده.

يمتاز طرح الدكتورة الريسي بقدرة نادرة على تبسيط المفاهيم المعقدة دون التفريط في عمقها، وربط النظرية بالسلوك اليومي، وجعل المسؤولية الفردية تجاه النفس والمحيط جزءًا لا يتجزأ من ممارسة القيادة. كلماتها تدعو للتأمل قبل العمل، وتضع القارئ أمام أسئلة صادقة: هل تعرف نفسك حقًا؟ هل تستطيع ضبط دوافعك قبل محاولة تغيير الآخرين؟ فهي تجعلنا ندرك أن النجاح والاستقرار لا يُصنعان بالمصادفة، بل ينبعان من التوازن الداخلي، والوعي المستمر، والفهم العميق للذات.

إن الجمع بين التحليل النفسي الفرويدي، والحكمة الأخلاقية السقراطية، والأدوات العلمية الحديثة التي تطبقها الدكتورة الريسي يصنع نموذجًا قياديًا متكاملًا: قائد مدرك لدوافعه الداخلية، واعٍ بالقيم الأخلاقية، قادر على اتخاذ القرارات الصحيحة تحت الضغط، ويملك القدرة على بناء استقرار حقيقي داخل مؤسسته ومجتمعه. في عالم يركّز على المظاهر ويغفل الجذور، يظهر هذا النهج كدعوة لإعادة ترتيب الداخل قبل إصلاح الخارج، وتذكير بأن القوة الحقيقية ليست بالسلطة أو المكانة، بل بالاتزان النفسي، والوعي، والقدرة على مواجهة الذات أولًا قبل مواجهة الآخرين.

الدكتورة آمنة الريسي هي بحق رمز الوعي والتوازن والإلهام، قدوة تبدأ من ذاتها قبل أن تلمس حياة الآخرين، تجمع بين العمق النفسي، والحكمة الأخلاقية، والتمرس بالأدوات العلمية الحديثة. هي من تجعل التغيير ممكنًا، وتعلمنا أن تجاوز الأزمات يبدأ باستعادة التوازن الداخلي، وأن القيادة الحقيقية ليست مجرد منصب أو سلطة، بل رحلة مستمرة من الإدراك الذاتي، والفهم العميق، والممارسة الواعية. حضورها يلهمنا أن نصنع الأثر بوعي، وأن نبني المستقبل بثقة، وأن نترك إرثًا ينبض بالمسؤولية، والعقل، والضمير، لينتشر في كل مجتمع نحتضنه، ليصبح الإصلاح والنمو والقيادة ليست شعارات، بل واقعًا حيًا ينبع من الداخل قبل أن يتجلى في الخارج.



نجيب الكمالي

رئيس دائرة العلاقات العامة بالاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين فرع اليمن