إنطلاقاً من التقدير العميق لدور المملكة العربية السعودية ومكانتها المحورية عربياً وإقليمياً وما قدّمته من تضحيات جسيمة في إطار التحالف العربي دفاعاً عن أمنها القومي وإستقرار المنطقة فإن المصارحة تظل ضرورة سياسية وأخلاقية لحماية هذا الدور من الإستنزاف أو التوظيف الخاطئ، فالمملكة لم تخض هذه المعركة عبثاً ولا يمكن أن يكون من مصلحتها التفريط بحلفائها الحقيقيين وفي مقدمتهم الجنوب و الجنوبيين، الذين شكّلوا ولا يزالون ركيزة أساسية في معادلة الأمن الإقليمي ومواجهة المشروع الحوثي وأدواته...
وفي هذا السياق على المملكة العربية السعودية أن تدرك أن رشاد العليمي لا يتحرك في إطار حماية التحالف العربي أو صون أهدافه بل يتجه عملياً نحو فكفكة التحالف وإفراغه من مضمونه السياسي والعسكري، بما يخدم في المحصلة المشروع الحوثي ويمنحه فرصة إعادة التموضع كقوة أمر واقع فتعطيل الجبهات وإدارة الصراع بعقلية التجميد، لا يمكن قراءتهما إلا كخدمة مباشرة لمسار يفضي إلى إضعاف خصوم الحوثي وتسهيل تقديمه شريكاً محتملاً في أي تسوية قادمة على حساب جوهر المعركة وأهدافها المعلنة...
وفي إطار التحالفات الخفية مع الإخوان المسلمين يعمل العليمي على إعادة تدوير القوى التي فشلت عسكرياً وشعبياً، مستنداً إلى أدوات الشرعية كغطاء سياسي في وقت تتقاطع فيه مصالح هذه الجماعة مع الحوثي ميدانياً وسياسياً، بما ينسف جوهر المعركة التي خاضها التحالف منذ انطلاقه وإلى جانب ذلك يجري توظيف بعض أجنحة المؤتمر الشعبي العام لإعادة إنتاج منظومة ما قبل الحرب وفتح ممرات سياسية تسمح بعودة القوى القديمة بثوب توافقي زائف متجاوزة التضحيات الهائلة والوقائع التي فرضتها الحرب على الأرض...
أما استهداف الجنوب فيتخذ طابعاً ممنهجاً لا يخفى على أحد عبر حرب الخدمات ونهب الموارد وتجفيف الإرادة السياسية في مسعى واضح لإضعاف المشروع الجنوبي وتهيئة المناخ لإعادة اجتياح الجنوب لا عبر المواجهة العسكرية المباشرة، بل من خلال إنهاكه ودفعه إلى مربع الفوضى ثم تحميله لاحقاً مسؤولية الفشل ...
إن خطورة ما يقوم به العليمي لا تقف عند حدود الجنوب أو توازنات الداخل اليمني فحسب بل تتجاوز ذلك عبر إضعاف التحالف من خلال محاولات واضحة لجر المملكة العربية السعودية سياسياً وأمنياً إلى مواجهة شريكها الجنوبي ممثلاً "بالمجلس الإنتقالي " عبر تسويق هذا الإستهداف كصراع داخلي او كإجراء أمني مشروع بينما هو في جوهرة توظيف خطير لإسم الرياض في صراع يهدف إلى كسر الإرادة الجنوبية وإضعاف القوة الأكثر التزاماً بأهداف التحالف على الأرض فالسماح بإستمرار هذا النهج سيحوّل الرياض دون قصد من راعٍ للتحالف إلى مظلة يُستثمر اسمها لتمرير مشاريع مناقضة لأهدافها بما يضعف موقعها السياسي والأمني، ويمنح الحوثي وحلفاءه فرصة استراتيجية للعودة وتعزيز السيطرة ، وعليه فإن استمرار هذا المسار لا يشكّل تهديداً للجنوب وحده بل يضرب جوهر التحالف العربي ويقوّض الأسس التي قامت عليها معركته منذ البداية في وقت لا تزال فيه المملكة بحاجة إلى شركاء صادقين لا إلى مسارات تفرغ تحالفاتها من مضمونها وتحمّلها كلفة سياسات لا تخدم أمنها ولا مستقبل المنطقة ككل ....