لم تعد الأزمة اليمنية أزمة سلطة عابرة أو صراعاً على الحكم يمكن احتواؤه بتسويات سياسية مؤقتة، بل تحولت إلى أزمة بنية دولة. فكل المحاولات التي تجاهلت هذا الجوهر فشلت، وكل المبادرات التي تعاملت مع اليمن كوحدة صلبة متجانسة اصطدمت بواقع اجتماعي وثقافي وتاريخي شديد التعقيد. من هنا، فإن أي حديث جاد عن حل دائم في اليمن لا بد أن يبدأ من إعادة تعريف شكل الدولة نفسها، وليس فقط من إعادة تقاسم السلطة داخلها. الدولة المركزية في اليمن لم تنجح في أي مرحلة من تاريخها الحديث في بناء عقد اجتماعي عادل. فقد تركزت السلطة والثروة والجيش في يد نخب محددة، غالباً مرتبطة بجغرافيا بعينها، ما أنتج شعوراً دائماً بالإقصاء لدى بقية المناطق. هذه المركزية لم تكن مجرد خلل إداري، بل تحولت إلى أداة هيمنة سياسية وثقافية، وأنتجت دورات متكررة من الصراع والتمرد والانفجار. وما الحرب الحالية إلا نتيجة تراكمية لهذا الفشل، حيث لم تعد فئات واسعة ترى في الدولة المركزية إطاراً حامياً لمصالحها أو معبّراً عن هويتها. الدولة الاتحادية الفيدرالية ليست وصفة مستوردة أو حلاً نظرياً، بل استجابة طبيعية لواقع التعدد. كل الدول التي نجحت في اعتماد النظام الفيدرالي من ألمانيا إلى كندا، ومن سويسرا إلى الهند لم تبنِ أقاليمها اعتباطاً، بل على أساس التجانس الاجتماعي والثقافي والتاريخي، مع احترام الفوارق في الهوية واللغة واللهجة والعادات والذاكرة الجمعية. في اليمن، العكس هو ما حدث في بعض المشاريع السابقة، حيث جرى تفصيل الأقاليم وفق اعتبارات سياسية ضيقة، أو لإعادة إنتاج هيمنة تاريخية معينة، خصوصاً ما يمكن تسميته بـ”هندسة الهضبة الزيدية”، التي حاولت فرض مركز ثقل واحد يتحكم في الأطراف، حتى في إطار يُفترض أنه اتحادي.
مشروع الأقاليم الذي طُرح سابقاً لم يكن تعبيراً عن فيدرالية حقيقية، بل محاولة لتدوير الأزمة بشكل جديد. فقد تم تجاهل الخصوصيات التاريخية للمناطق، الفوارق الثقافية والاجتماعية، التوازن الاقتصادي والموارد، والانتماءات والهويات المحلية المتجذرة. والأخطر من ذلك، أن بعض الأقاليم صُممت لتكون ضعيفة اقتصادياً ومعزولة جغرافياً، بينما مُنحت أقاليم أخرى مزايا استراتيجية، ما يتناقض جوهرياً مع فلسفة الفيدرالية التي تقوم على الشراكة لا التفوق. لا يمكن بناء دولة اتحادية جديدة بعقلية العواصم القديمة. فالعاصمة الحالية أو أي مدينة ارتبطت تاريخياً بالصراع والهيمنة لا يمكن أن تكون رمزاً لدولة جديدة. بناء عاصمة اتحادية جديدة، محايدة جغرافياً وسياسياً، يمثل قطيعة رمزية مع ماضي الصراعات، إعلاناً عن ميلاد دولة جديدة لا تهيمن فيها منطقة على أخرى، وفرصة لبناء مؤسسات اتحادية بعيداً عن إرث المليشيا والعسكرة. لا معنى لفيدرالية بلا جيش وطني اتحادي، يُبنى على أسس مهنية، ويعكس التعدد الجغرافي والمجتمعي، لا أن يكون امتداداً لقوة منطقة أو جماعة أو مذهب. التجربة اليمنية أثبتت أن الجيوش غير المتوازنة تتحول سريعاً إلى أدوات انقلاب أو قمع أو تفكيك للدولة. الجيش الاتحادي يجب أن يخضع لقيادة مدنية اتحادية، يتم فيه توزيع القيادات والرتب بعدالة، وتكون مهمته حماية الدستور والنظام الاتحادي، لا حماية سلطة بعينها. الخوف من أن الفيدرالية تعني التقسيم هو خوف ناتج عن سوء فهم أو عن استغلال سياسي. في الحقيقة، الفيدرالية هي الضمانة الواقعية الوحيدة لوحدة اليمن، لأنها تعطي كل إقليم شعوراً بالملكية والمشاركة، بدل الإكراه والإخضاع. الوحدة القسرية تنتج الانفجار، أما الوحدة التعاقدية فتنتج الاستقرار. إن الحل في اليمن لا يبدأ من وقف إطلاق النار فقط، ولا من حكومة محاصصة جديدة، بل من إعادة بناء الدولة على أسس اتحادية عادلة وواقعية أقاليم منسجمة مع هوياتها، عاصمة اتحادية جديدة، جيش وطني متوازن، ونهاية للهندسات السياسية التي تعيد إنتاج الهيمنة القديمة بأسماء جديدة. بدون ذلك، ستظل كل الحلول مؤقتة، وكل سلام هشاً، وكل دولة مجرد كيان معلق فوق صراعات مؤجلة.