ليس ما جرى داخل مجلس القيادة الرئاسي انقساما عابرا يمكن تفسيره باختلاف وجهات نظر بل هو انفجار مدو كشف هشاشة البناء من أساسه انفجار لم يحتج إلى وقت ولا مقدمات وكأن الفتيل كان قصيرا منذ اللحظة الأولى وكأن التركيبة صممت لتنفجر لا لتصمد لم يكن الخلل طارئا بل كان مغروسا في القلب مجلس وُلد محملًا بالألغام وكان لا بد أن يدوسها واحدا تلو الآخر.
الأكثر إثارة للقلق ليس الانقسام بحد ذاته بل دقته المريبة أربعة مقابل أربعة بسرعة مذهلة واصطفاف يبدو وكأنه محسوب بالمسطرة كأننا أمام طابور عسكري تلقى أوامره مسبقا لا أمام قيادة دولة تعيش واحدة من أخطر مراحل تاريخها هذا المشهد ليس فقط مخيفا بل مهين إلى حدّ جارح مهين لشعب أنهكته الحروب والوعود الكاذبة ومخيف لبلد يتأرجح على حافة المجهول.
السؤال الذي يفرض نفسه بقسوة هل يستحق هؤلاء الثمانية أن تلقى على عواتقهم بلاد كاملة؟ هل يملكون من الحكمة والثبات ما يؤهلهم لحمل مستقبل أكثر من أربعين مليون إنسان؟ وهل يدركون أصلًا معنى الأمانة التي أُودعت بين أيديهم؟ من الذي اختارهم؟ ومن الذي قرر أن يضع مصير وطن مثخن بالجراح في أيدي هذا الخليط غير المتناغم؟
ما نشاهده اليوم لا يليق بحجم المسؤولية ولا بثقل المرحلة ينقسمون وينشطرون كما لو كانوا أطفالًا في حارة لا رجال دولة يفترض أنهم آخر ما تبقّى من أمل يتعاملون مع أخطر الملفات بعقلية اصطفاف ومع الوطن كأنه ساحة تسجيل نقاط بينما الشعب يراقب المشهد ويده على قلبه خائفا من السقوط الأخير.
المؤلم أكثر أن هذه الوجوه ليست جديدة علينا خبرناها واختبرناها في محطات مختلفة ونعرف جيدا قدرتها على الخلاف أكثر من قدرتها على البناء ومع ذلك يراد لنا أن نكمل معهم ما تبقى من أعمارنا وكأن الخيارات أُغلقت وكأن الوطن حكم عليه أن يدور في الحلقة ذاتها إلى ما لا نهاية.
إن ما يجري ليس مجرد أزمة داخل مجلس بل أزمة ثقة عميقة بين شعب وقيادة وأزمة معنى لدولة تبحث عن نفسها وسط هذا العبث فحين يتحول مصير وطن إلى مشهد اصطفاف فجّ وحين يبدو الانقسام كرقصة تؤدّى على مسرحية مجنونة فإن الخطر لا يكمن فقط في الانقسام بل في اعتياده وفي القبول به كأمر طبيعي.
وما لم يعاد النظر جذريا في فكرة هذا المجلس وتركيبته وطريقة إدارته فإن السؤال المخيف سيبقى معلّقا فوق رؤوسنا جميعا إلى أين يأخذوننا؟ وهل بقي في هذا البلد متسع لمزيد من التجارب الفاشلة؟
محمد العنبري