آخر تحديث :الخميس-01 يناير 2026-09:16م

حتى تنهض حضرموت

الخميس - 01 يناير 2026 - الساعة 02:35 م
عبدالناصر محمد العمودي

بقلم: عبدالناصر محمد العمودي
- ارشيف الكاتب


إن أعظم جريمة يمكن أن تُرتكب بحق الأرض ليست الفقر ولا الحاجة، بل خيانة ترابها والارتهان للخارج مقابل منافع دنيئة، ثم التستّر على ذلك بخطاب أجوف وشعارات مستهلكة. فحين تتحول الأوطان إلى صفقات، والكرامة إلى بندٍ مؤجل، والهوية إلى تفصيل قابل للمساومة، نكون أمام انحدار أخلاقي لا تُغتفر أسبابه مهما تنوّعت مبرراته.

لا شيء يبرر أن يتعامل بعضهم مع أبناء جلدتهم بتواطؤ متعالٍ، وكأن المجتمع عبء، والوطن فائض لا قيمة له، وكأن النقص الفاضح في الموقف يمكن تعويضه بادعاء البطولة الزائفة أو الاحتماء بخطابات مستوردة لا تمتّ للأرض ولا للناس بصلة.

فالحاجة ليست مبررًا للتواطؤ مع من نوى قتل أهلك وتشريد مجتمعك، وليست ذريعة للانسياق خلف إعلام أيديولوجي أعاد إنتاج القهر ذاته الذي ذاقه الأجداد سحلًا وقتلًا واغتيالًا وتهجيرًا، ثم يُعاد تقديمه اليوم بوجهٍ مزيّن ولغة مخادعة. الحاجة لا تبرر التعامل مع من يخطط لاختلال الأرض وتفكيك النسيج الاجتماعي، ولا تمنح صك غفران لمن يفتح الأبواب للطامعين في خيرات البلد. فالعينات التي تبرر وتلمّع وتسوّغ هي ذاتها التي أغرت المحتل بالتحرك، وشرعنت أطماعه، ومهّدت الطريق لنهب الموارد باسم شعارات لا تشبع جائعًا ولا تحمي وطنًا.

وإذا كان العبث يبدأ من الكبار، فإن توريط الصغار لا يقل خطورة. فجمع الأطفال في باصات لرفع شعارات مؤدلجة، وتلقينهم خطابًا حزبيًا منفصلًا عن الأرض والناس مقابل بعض الأموال، ليس فعل براءة ولا حماسة عابرة، بل جريمة وعي كاملة الأركان. وهي جريمة تستوجب محاسبة من نظّم وموّل ووجّه، لا الاكتفاء بإدانات شكلية تُخدّر الضمير العام. أما الأطفال أنفسهم، فواجب الدولة والمجتمع أن يعيدا توجيههم عبر أعمال مجتمعية وتربوية تغرس في نفوسهم حب الأرض والانتماء الحقيقي لها، لا الولاء للشعارات ولا الارتهان للماديات. هكذا فقط تُقتلع جذور العفن من مهدها قبل أن تفرخ تشوّهات رأينا نتائجها المؤلمة.

أما من تسبّب في إراقة الدم الحضرمي، أو حرّض عليه، أو غطّاه سياسيًا وإعلاميًا، فالدستور واضح في شأنه، والقانون لا يحتمل التأويل حين يتعلّق بالأرواح ووحدة المجتمع. إن تعطيل النصوص الدستورية والمواد الجزائية لا يصنع تسامحًا، بل يشجّع على التمادي، ويغري بتكرار الجريمة بأشكال أشد. الواجب الوطني هنا ليس الانتقام ولا الفوضى، بل إنفاذ القانون بحزم وعدالة، ومساءلة كل من خان الأمانة، وقطع الطريق قانونيًا على كل من خوّل لنفسه العبث بالدم والهوية والمصير.

حضرموت لا تحتاج خطبًا ولا مزايدات، بل دولة قانون، ومحاسبة دستورية، ووعيًا جمعيًا يميّز بين المقاومة الحقيقية والعمالة المقنّعة، وبين الانتماء الصادق والتجارة بالشعارات. وعلى المجتمع الحضرمي أن يعي دروس الماضي جيدًا، لا أن يكررها؛ فما فعلوه بالأمس عاد بعض الأبناء اليوم ليعيدوا إنتاجه، وكأنه ميراث مشوّه أو فكر متوارث، بينما الواجب هو اجتثاث هذا السوس من جذوره، لا التعايش معه.

حضرموت ستبقى منارة علم وحكمة، عصيّة على الغزاة، ورغم كل محاولات التشويه والاختراق، ستنهض بإرادة أبنائها الأوفياء، لا بأصوات العمالة ولا بفتات الخارج.


الاستشاريe.g PmP

عبدالناصر محمد العمودي