كتبه الدكتور / عبدالعزيز صالح جابر
في هذه المرحلة المفصلية والدقيقة التي تمر بها حضرموت والجنوب واليمن عمومًا، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى خطاب عقلاني مسؤول، يستلهم العبرة مما جرى، ويقدّم الحكمة على الانفعال، والتوافق على منطق الغلبة، والتهدئة على منطق التصعيد ، لقد كشفت الأحداث الأخيرة التي مرت بهارحضرموت، بوضوح لا لبس فيه، أن مسارات التوتر وفرض الأمر الواقع لا تنتج إلا هشاشة سياسية وأمنية، وأن كلفة الانقسام، مهما اختلفت مبرراته، يدفعها المجتمع بأكمله، أمنًا واستقرارًا وتنميةً ومستقبلًا.
إن حضرموت بما تمثله من عمق تاريخي وهوية راسخة وموقع استراتيجي حساس، لا تحتمل أن تكون ساحة تجاذبات أو اختبارًا لصراعات الآخرين، بل هي مؤهلة بطبيعتها وتاريخها ودورها لأن تكون عامل استقرار وتوازن، لا بؤرة توتر وصدام. ومن هذا المنطلق، فإن حماية خصوصية حضرموت، وصون إرادتها، وتمكين أبنائها من إدارة شؤونهم الإدارية والتنموية والسياسية والأمنية والعسكرية، هو الطريق الواقعي الوحيد لبناء استقرار حقيقي ومستدام، بعيدًا عن الاستنساخ الأعمى للتجارب الفاشلة، أو استيراد الأزمات من خارج السياق الحضرمي.
لقد أثبتت الوقائع أن القوة لا تكمن في رفع سقف الشعارات ولا في استعراض النفوذ، بل في القدرة على الإنصات، واحتواء المخاوف المشروعة، وبناء الثقة بين المكونات المختلفة، ضمن إطار حضرمي ووطني جامع، يحفظ لحضرموت مكانتها، ويجنبها الانزلاق إلى مسارات لا تخدم إلا الفوضى وعدم اليقين ، وإن التوافق الحضرمي حول مشروع جامع نابع من الإرادة المجتمعية الحرة يظل هو الضامن الحقيقي لأي مسار مستدام، باعتباره تعبيرًا عن تطلعات الناس، لا عن غلبة طرف ولا عن إقصاء مكوّن، فالعقلانية هنا ليست ترفًا ولا ضعفًا، بل هي آخر خطوط الدفاع عن وحدة المجتمع، وأهم أدوات حماية المستقبل من المجهول.
كما أن مجريات الأحداث الأخيرة وحقائق التاريخ أثبتت حقيقة مهمة أنه لا يمكن إغفال الدور المحوري والمسؤول الذي تضطلع به المملكة العربية السعودية في دعم أمن واستقرار حضرموت، انطلاقًا من وشائج الأخوّة، وروابط الجوار، ووحدة المصير المشترك، وحرصها الدائم على ترجيح كفة التهدئة والحلول السياسية، ودعم مؤسسات الدولة، ومنع انزلاق حضرموت إلى الفوضى أو الصدام ، وإن هذا الدور يشكل ركيزة أساسية في حفظ التوازن والاستقرار، ويستحق التقدير السياسي والأخلاقي الواضح ، كما أن بناء علاقات متوازنة قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة مع الأشقاء في الجوار الحضرمي والإقليم، يمثل شرطًا ضروريًا لنجاح أي مسار مستقبلي، ويسهم في ترسيخ نموذج حضرمي قائم على الاستقرار والتنمية والشراكة الإيجابية مع محيطه الإقليمي والدولي.
ويبقى التحدي الحقيقي أمام الجميع هو هل نملك الشجاعة السياسية والأخلاقية للانتقال من منطق ردّ الفعل إلى منطق بناء المسار، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة الاستقرار، أم نترك الانفعال يقودنا إلى طرق خبرنا نتائجها، ونعرف كلفتها، ولا نحتمل تكرارها؟