في ظل التطورات المتسارعة التي شهدتها المحافظات الجنوبية والشرقية برز المجلس الانتقالي الجنوبي كقوة سياسية واجتماعية لا يمكن تجاوزه فالأحداث الأخيرة زادت من ثقله الشعبي والسياسي وأثبتت أن المجلس بات يمثل الصوت الأقرب للشارع الجنوبي وتطلعاته وعلى الأشقاء في المملكة العربية السعودية أن يتعاملوا مع المجلس الانتقالي من هذه الناحية لا من ناحية الإقصاء أو الطرف المهزوم فالتجربة التي مر بها الجنوب خلال مؤتمر الحوار الوطني في صنعاء كانت تجربة فاشلة في الذاكرة إذ لم يعترف الشارع الجنوبي بمخرجات ذلك الحوار لأنه لم يعبر عن إرادة حقيقية لأبناء الجنوب بل كان انعكاسًا لتوازنات فرضتها أطراف من خارج الجنوب.
ومن جانب أخرى فإن الشرعية التي يمثلها حالياً الدكتور رشاد العليمي لا تمتلك سيطرة فعلية على معظم المحافظات الشمالية والتي لا تزال تحت سيطرة الحوثيين وهذا يفقد هذه الشرعية القدرة على تمثيل الشمال ويجعل الحديث عن حوار شامل تحت مظلتها أمرًا غير منطقي إن لم يكن عبثياً في الوقت الحالي.
ومن الجانب الإقليمي على الأشقاء في المملكة العربية السعودية أن يضمنوا مخرجات هذا الحوار وعلى المجلس الإنتقالي ان يغلب مصلحة الشعب الذي أعطاه التفويض باعتباره حاملًا حقيقيًا للقضية الجنوبية وامتدادًا طبيعياً لمطالب شعب الجنوب
وإذا أرادت المملكة العربية السعودية أن تنجح جهودها في تيسير حوار سياسي حقيقي في اليمن فعليها أن تتعامل بواقعية مع المعطيات الجديدة على الأرض كما اسلفنا وأن تعترف بحق الجنوبيين في تقرير مصيرهم باعتباره حقًا مشروعًا ومكفولًا بموجب القانون الدولي والذي يمنح الشعوب الحق الكامل في اختيار مستقبلها السياسي وفق إرادتها الحرة وعليه ان تتعامل مع المجلس الإنتقالي كطرف لا يمكن استبداله بشخصيات تقيم في المنفى ولا تملك حضورًا شعبيًا أو سياسيًا يُذكر.
فالوضع الراهن في اليمن فيه انقسام عميق تتجاوز الخلافات التقليدية مع الشمال الذي يخضع منذ سنوات لحكم جماعة الحوثي ذات الارتباط العقائدي والسياسي الواضح بالمشروع الإيراني في حين يتحرك الجنوب في مسار مختلف تمامًا أكثر قربًا من محيطه العربي وأكثر انسجامًا مع أهداف التحالف العربي الذي تقوده السعودية.
وأي محاولة لفرض أي صيغة للوحدة بالقوة أو دون توافق حقيقي ستؤدي إلى نتائج كارثية وتكرّس حالة الغليان الشعبي في الجنوب الذي يرى في المجلس الانتقالي الجنوبي ممثله السياسي والشرعي والضامن الوحيد لتحقيق تطلعاته في استعادة دولته وبناء مستقبله
ومع انسحاب القوات الاماراتية من التحالف تبقى المملكة العربية السعودية أمام لحظة مصيرية في اليمن فالتوازنات على الأرض تغيرت والرهانات السابقة لم تعد صالحة والرهان على شخصيات فقدت الحضور الشعبي أو على شرعية لم تعد تملك تأثيراً في الشمال لن يفضي إلى حل.
وللأمانة ما تعرّضت له القوات المسلحة الجنوبية من قصف مؤسف من قبل الطيران السعودي في حضرموت ترك جرحا في الوجدان الشعبي إذا لم يكن الجنوبيون يتوقعون أن تُستهدف قواتهم التي كانت ولا تزال حائط الصد الأول في وجه التمدد الإيراني عبر الحوثيين إلا أن الأمل لا يزال معقودًا على المسار السياسي لتصحيح المسار ومعالجة الأخطاء وتمهيد الطريق لمستقبل مشترك
فالحوار هو السبيل الوحيد لكنه لن يكون ناجحًا إلا إذا تم على قاعدة الاحترام المتبادل والاعتراف بالحقائق السياسية والشعبية والمجلس الانتقالي الجنوبي مكوّن فعلي في محاربة الحوثي وفي حماية الأمن القومي العربي ولديه حضور شعبي وشرعية جنوبية لا يمكن تجاهلها والمطلوب من الأشقاء في الرياض اليوم هو الإنصاف والشراكة مع المجلس الانتقالي لا التبعية فبذلك فقط يمكن إنقاذ ما تبقى من حلم الاستقرار في المحافظات الجنوبية وتحقيق مصلحة الجميع دون استثناء.