آخر تحديث :الأربعاء-04 فبراير 2026-09:50م

لعنة «الدنبوع العظيم»

الثلاثاء - 06 يناير 2026 - الساعة 02:02 م
د. غسان ناصر عبادي

بقلم: د. غسان ناصر عبادي
- ارشيف الكاتب



عندما انتخب المشير عبدربه منصور هادي رئيسًا للجمهورية اليمنية، تسلّم دولة شبه خاوية، لم يرث من سلفه سوى العلم، بينما بقيت مفاصل الجيش والأمن والاقتصاد بيد منظومة عائلية مترسخة، اعتادت احتكار السلطة والثروة.


بدأ الرئيس هادي أولى خطواته بمحاولة إعادة هيكلة الجيش، لتحويله من تشكيلات عائلية إلى مؤسسة وطنية تمثل اليمن بكل أبنائه، واجه عراقيل شرسة من مراكز النفوذ، لكنه صبر وناور، ونجح تدريجيًا في تقليص نفوذها.


غير أن الخطوة الأهم في مسيرته كانت إطلاق مؤتمر الحوار الوطني الشامل، ذلك المشروع التاريخي غير المسبوق، الذي جمع أكثر من 600 شخصية تمثل مختلف أطياف المجتمع اليمني: أحزابًا سياسية، مكونات اجتماعية، مثقفين، أكاديميين، نقابيين، أدباء، عسكريين، مستقلين، الحراك الجنوبي، وجماعة الحوثي نفسها، كان سقف الحوار مفتوحًا، والرسالة واضحة: كفانا حروبًا ومآسي، ولنحتكم إلى العقل والحوار.


على مدى عام كامل، ناقش اليمنيون مستقبل دولتهم، وخرجوا برؤية واضحة لدولة اتحادية من ستة أقاليم: إقليمان في الجنوب وأربعة في الشمال، تقوم على العدالة في تقاسم السلطة والثروة، وتمكين كل إقليم من إدارة شؤونه، وقد لخّص الرئيس هادي جوهر الفكرة بقوله إن اليمن جرّب التشطير ففشل، وجرّب الوحدة الاندماجية فكانت نتيجتها الإقصاء والظلم والحروب، ولم يبقَ إلا خيار الدولة الاتحادية.


لكن في اليوم الختامي لمؤتمر الحوار، انقلب الحوثيون على التوافق الوطني والشرعية الدستورية، وانسحبوا من الحوار، ثم حاصروا الرئيس، وقُتل عدد من أفراد حراسته، وتعرضت أسرته للتهديد، ومع ذلك لم يستسلم، ونجح في الإفلات والوصول إلى عدن، قبل أن تتبعه جحافل الحوثيين وحلفائهم من بقايا النظام السابق.


ومع وصول الخطر إلى عدن، غادر الرئيس برًا إلى عُمان، ومنها إلى المملكة العربية السعودية، لتُعلن بعدها عاصفة الحزم بقيادة التحالف العربي، فتم تحرير الجنوب وأجزاء من الشمال، وتراجعت المليشيات إلى أقصى الشمال.


عاد الرئيس هادي إلى عدن، ومكّن أبناء الجنوب من إدارة مناطقهم، وبدأ التحضير لمعركة استعادة صنعاء، غير أن المفارقة المؤلمة تمثلت في أن بعض القوى الجنوبية وقفت ضده، بل مُنعت طائرته من الهبوط في مطار عدن، وقيل له صراحة: لا نريدك، فعاد إلى الرياض محاولًا رأب الصدع وتوحيد الصف.


وفي الرياض، عُقدت تسويات سياسية جمعت أطرافًا كانت حتى الأمس القريب أعداء، وانتهت بتنحي الرئيس ونقل صلاحياته إلى مجلس رئاسي مكوّن من ثمانية أعضاء، ومنذ ذلك اليوم، دخلت البلاد دوامة جديدة من الصراعات البينية، حيث سعت كل جهة للانفراد بالحكم، فسقط الضحايا من خيرة شباب الوطن، وعدنا إلى المربع الأول: حروب، مآسٍ، وتمزق، كان آخر تجلياته ما حدث قبل أيام في حضرموت والمهرة.


إن رسالة التاريخ واضحة:

الشعب يريد دولة يمنية اتحادية من ستة أقاليم، كما أقرّتها مخرجات الحوار الوطني، هذا هو الطريق الوحيد للخلاص، وأي التفاف على هذا المشروع لن يورث إلا مزيدًا من الصراع والانقسام.


وإلا… فستظل «لعنة الدنبوع العظيم» تطارد الجميع.



د. غسان ناصر عبادي