تُقدَّم دعوة المملكة العربية السعودية للحوار الجنوبي بوصفها خطوة إيجابية لاحتواء التوترات الأخيرة، غير أن القراءة العميقة للسياق تكشف أنها أقرب إلى محاولة إسعاف سياسي عاجل منها إلى مسار حل حقيقي. فالأحداث التي سبقت الدعوة لم تكن طارئة أو معزولة، بل هي نتيجة تراكمات طويلة من الإقصاء، وسوء إدارة الملف الجنوبي، وهشاشة التوافقات داخل معسكر الشرعية نفسه.
عمليًا، لا يبدو أن الحوار المطروح يستهدف معالجة جذور القضية الجنوبية، بقدر ما يسعى إلى تهدئة اللحظة وامتصاص الغضب ومنع الانفجار. فالتجربة أثبتت أن المؤتمرات التي تُعقد تحت ضغط الأزمات وبدون إرادة سياسية صادقة لا تنتج حلولًا، بل تؤجل الصدام وتعيد تدوير الأزمة بصيغ مختلفة. جمع الأطراف في قاعة واحدة، دون الاعتراف بطبيعة الخلاف وأسبابه الحقيقية، ليس حلًا، بل إدارة مؤقتة للتوتر.
الأخطر من ذلك أن هذا المسار يُطرح في إطار شرعية لم تكتمل شروطها الوطنية. فالشرعية، بدعم الأشقاء، تسعى إلى فرض واقع سياسي في الجنوب، رغم أن فرصها كانت تبدو منتهية بعد سيطرة القوات الجنوبية على حضرموت والإعلان الدستوري الذي شكّل خطوة واضحة لإعادة ترتيب السلطة في الجنوب وفق إرادة قواته. وقد نجحت المملكة، عبر تدخلها المباشر، في قلب المشهد لصالح الشرعية، وإعادة صياغة التوازن السياسي والأمني في الجنوب وفق مصالحها، بينما لا تزال عاجزة حتى اليوم عن فرض وجودها أو سيادتها في الشمال المختطف. وهنا يبرز السؤال الصادم: كيف يمكن الحديث عن عدالة سياسية ومعالجة قضية جنوبية في ظل معادلة مختلة تُطبَّق فيها الشرعية على الجنوب فقط، بينما يُترك الشمال خارج الحساب؟
المفارقة الصارخة تكمن في مطالبة الجنوب بتحمّل كلفة الدولة، وتقاسم السلطة والثروة، والالتزام بمسار سياسي شامل، في وقت لا تزال فيه أدوات القوة والقرار خارج إطار الدولة، ولا تزال الجغرافيا منقوصة السيادة. أي عدالة هذه التي تُطالب طرفًا بالالتزام الكامل، بينما يُعفى الطرف الآخر بحكم الواقع؟
الحقيقة التي يجري تجاهلها عمدًا هي أن القضية الجنوبية ليست ملفًا إداريًا ولا خلافًا سياسيًا عابرًا، بل قضية سياسية كاملة الأركان، لها جذورها التاريخية وحقوقها الواضحة. وأي محاولة لمعالجتها من داخل إطار مأزوم، غير مكتمل السيادة، لن تكون حلًا، بل شكلًا من أشكال دفن القضية تحت غطاء الحوار.
إن الجنوب لا يحتاج إلى مسكنات سياسية، ولا إلى مؤتمرات تُدار بعقلية إطفاء الحرائق، بل إلى اعتراف صريح بطبيعة قضيته، ومسار سياسي عادل ومستقل عن عجز الواقع القائم، وضمانات حقيقية لا شعارات. أما الاستمرار في سياسة التهدئة المؤقتة، فلن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة بشكل أكثر تعقيدًا، وتأجيل انفجار قادم قد لا يكون أحد قادرًا على احتوائه.
باختصار، إدارة التوتر قد تمنح الجميع وقتًا إضافيًا، لكنها لا تصنع سلامًا، والجنوب لم يعد يحتمل مزيدًا من الوقت الضائع.