ليس من المبالغة القول إن عدن والجنوب قد دفعا فاتورة الصراعات أكثر مما يحتمل أي وطن. عقود طويلة ضاعت بين خلافات سياسية، وصراعات قوى، وحسابات ضيقة، كان يمكن تجاوزها لو أن الحوار سبق السلاح، ولو أن مصلحة الإنسان قُدّمت على مصلحة النفوذ.
عدن، المدينة التي كانت عنوانًا للحياة والانفتاح والتعايش، لم تكن يومًا مهيأة للحروب. ومع ذلك، وجدت نفسها وعلى (مدى عقود) في قلب الصراع، تُستنزف خدماتها، ويُرهق أهلها، وتُختطف أحلام شبابها. أما الجنوب، فقصته مع التهميش والإقصاء ليست جديدة، لكنها ازدادت تعقيدًا حين امتزجت بمشهد التخوين والانقسام الداخلي.
المؤلم أن الجنوبيين لم يعانوا فقط من نتائج الصراعات، بل من خطابها أيضًا. خطاب الإقصاء الذي أبعد الكفاءات، وخطاب التخوين الذي حوّل الاختلاف السياسي إلى جريمة، وجعل من الرأي الحر تهمة، ومن المطالبة بالحقوق خيانة. وبهذا، تحوّل الصراع من قضية إلى صراعات، ومن مشروع إلى مشاريع متناحرة.
لقد أثبت الواقع أن السلاح لم يحمِ الجنوب بما كان يأمل به ، ولم يُنقذ عدن، ولم يحقق الاستقرار. بل على العكس، عمّق الانقسامات، ووسّع فجوة الثقة، وأدخل المجتمع في دوامة خوف وعدم يقين. فكل جولة صراع جديدة لا تُعيد حقً ، ولا تُقيم دولة، بل تُضيف جرحًا جديدًا في جسد أنهكته الجراح.
في المقابل، ظل الإنسان الجنوبي، رغم كل ذلك، صامدًا. تحمّل انقطاع الكهرباء، وانهيار الخدمات، وغلاء المعيشة، وانعدام الفرص، دون أن يفقد إيمانه بأن لهذا الوطن مستقبلًا أفضل. هذا الإنسان، الذي صبر على الأهوال، هو رأس المال الحقيقي، وهو القادر على إعادة بناء عدن والجنوب إذا ما أُزيحت عنه أدوات الصراع، ومُدّت له يد الشراكة لا الإقصاء.
إن الحاجة اليوم ليست إلى انتصار طرف على آخر، بل إلى انتصار العقل على الفوضى. ليست إلى مزيد من السلاح، بل إلى شجاعة وضعه جانبًا. فالتخلي عن السلاح لا يعني الهزيمة، بل يعني الإيمان بأن الحوار أقوى، وأن السلام أكثر جدوى، وأن الأوطان لا تُدار بمنطق الغلبة.
عدن لا تحتاج مزيدًا من الشعارات، بل إلى استقرار حقيقي. والجنوب لا يحتاج مزيدًا من التخوين، بل إلى مشروع جامع يعترف بالتعدد، ويُدير الخلاف دون أن يحوله إلى صراع. مشروع يقوم على العدالة، والشراكة، واحترام التضحيات، دون تهميش أو إقصاء.
إلى هنا… وكفى. كفى صراعات أنهكت الناس،وكفى إقصاءً مزّق الصف،وكفى تخوينًا أغلق أبواب الحل.
فإما أن نختار طريق الحوار والسلام،أو نترك للأجيال القادمة وطنًا مثقلاً بالأخطاء ذاتها.والتاريخ، كما نعلم، لا يرحم من أضاع فرصة الإنقاذ الأخيرة.