في خضم الأحداث المتسارعة التي تشهدها المحافظات الشرقية والجنوبية، برز خطاب سياسي وإعلامي مكثف يرفع شعارات ترسيخ الوحدة اليمنية، وتعزيز حضور الدولة، ودمج المؤسسة العسكرية، بوصفها مطالب وطنية جامعة تحظى بإجماع شعبي ورسمي. غير أن الواقع كشف أن بعض القيادات الحزبية تعاملت مع هذه الشعارات لا كأهداف وطنية عليا، بل كأدوات لتحقيق مكاسب حزبية ضيقة ومصالح خاصة.
فمع كل خطوة تهدف إلى بسط سيطرة الدولة على المدن والمرافق الحكومية، وتوحيد الجبهة الداخلية، وتعزيز الانضباط المؤسسي، كانت أصوات سياسية وإعلامية تتغنى بالوطنية، وتمنح صكوكها لمن تشاء، بينما تسارع إلى تخوين واتهام مكونات وطنية أخرى بالعمالة، لمجرد أنها لا تنسجم مع مشاريعها أو تقف عائقًا أمام طموحاتها.
وتجلّى هذا التناقض بوضوح في تفسير هذه القيادات لمفهوم توحيد ودمج الوحدات العسكرية، حيث حُصر هذا المطلب الوطني في استهداف مكوّن بعينه، مع تمنيات علنية بزواله أو إعادة هيكلته بما يحقق السيطرة على موقعه ودوره، لا بما يخدم بناء مؤسسة عسكرية وطنية جامعة.
لقد أسفرت هذه الأحداث عن سقوط أقنعة كثيرة، وكشفت حجم الحقد والمكر الذي يختبئ خلف خطاب وطني مزيف. وأثبتت تلك القيادات، أمام الداخل والخارج، أن أهدافها لا تتجاوز حدود الحزب والمصلحة الخاصة، وأنها بعيدة كل البعد عن العمل من أجل المصلحة العليا للوطن والشعب.
كما أكدت ممارساتها أنها لا تسعى إلى توحيد الصف الجمهوري، بل تكرّس الانقسام، وتغذّي العداء، وتزرع الخلاف بين مكوّناته، مستخدمة لغة التخوين والكراهية وسيلةً للإقصاء والانتقام السياسي.
إن استمرار هذا النهج لا يضر إلا بالوطن، ويقوّض الثقة بأي دور مستقبلي لتلك القيادات ومكوّناتها، التي لا يمكن أن تحظى بقبول أو مصداقية ما دامت تغرّد خارج السرب الوطني، وتقدّم مصالحها الضيقة على حساب القضايا الجامعة.
وعليه، فإن المسؤولية الوطنية تفرض على هذه القيادات ووسائل إعلامها التوقف عن المماحكات والمكايدات، وإنهاء خطاب العداء والكراهية، والعودة إلى جادة الصواب. فالوطن لا يُبنى بالتحريض، ولا تُصان وحدته بالإقصاء، وإنما بتغليب لغة الحوار والمحبة والمصالحة، والعمل الصادق مع جميع الشركاء بروح وطنية مخلصة، تُترجم الأقوال إلى أفعال.ذ