في عالم تجسدت فيه الماديات وقتلت فيه المثاليات، وأصبحت نار الإرهاب مشتعلة في ظلامه، يظهر أن ما يُقدَّم على أنه "أمن واستقرار" ليس إلا نتاج تحالفات سياسية وعسكرية مركبة، لا تمت للفكر الإسلامي أو أي فكر إنساني. فخلايا العنف المنتسبة زورًا إلى الإسلام والتي برزت في اليمن لم تنشأ في فراغ فكري ملتزم، بل هي نتاج معقد لتداخلات داخلية وإقليمية استُغلت لأغراض استراتيجية تتجاوز حدود الدولة اليمنية.
استُخدمت هذه الأدوات في حقبة الرئيس السابق علي عبد الله صالح للابتزاز السياسي واللعب النفسي بين القوى الإقليمية والدولية. وعقب رحيله، تطورت مجموعة من هذه الكيانات تحت قيادة جديدة، وأُعيد توظيفها كأداة لقمع المعارضين واغتيال النخب السياسية التي ترى في الوجود الأجنبي تهديدًا لسيادة اليمن ووحدة شعبه، كما حدث في عدن، وتمدد لاحقًا إلى حضرموت.
واتضحت هذه الخيوط بشكل جلي من خلال معتقل مطار الريان، حيث ظهرت بوادر انتهاكات جسيمة، بما في ذلك الاعتقال التعسفي، وسوء المعاملة، وظهور مقابر جماعية، وهو ما أثار تساؤلات عن مدى معرفة الحليف الدولي بهذه الانتهاكات أو غضه النظر عنها لمكاسب سياسية واقتصادية. فمن غير المعقول أن يحذر المعتقلون السابقون من الممارسات داخل المطار دون أي تحرك من الحكومة اليمنية أو حليفها.
ولطالما سارع الإعلام الغربي إلى توصيف هذه القوى بالإرهابية، متجاهلاً السياق الأعمق الذي أسهم في نشوئها. فقد أكدت العديد من التقارير الدولية، بما في ذلك تقارير أممية ومنظمات حقوقية غربية، أن بيئات الضعف الأمني والسياسي هي التي تولد مثل هذه الظواهر، وأن تصنيفها بالإرهاب الإسلامي دون النظر لملابسات الدعم الخارجي والإقليمي هو تبسيط يعمق الأزمة بدلاً من حلها.
وقد أشار تقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة إلى تورط أطراف خارجية في دعم جماعات مسلحة غير حكومية في اليمن، وأن هذا الدعم ساهم في استمرار النزاع وتصاعد العنف، مع تأثيرات إنسانية كارثية على المدنيين في المحافظات، بما فيها حضرموت (تقرير خبراء الأمم المتحدة – مجلس الأمن 2020). هذه التقارير، الصادرة عن جهات غربية ومحايدة، تشير بوضوح إلى دور التدخلات الخارجية في إطالة النزاع وتعقيداته.
وفي حضرموت، نشهد تزايدًا في الأحداث المقلقة، من إطلاق التفجيرات إلى محاولات الاغتيالات، وأصبح الإعلام المحلي والدولي يوظف هذه الأحداث سياسيًا، ويعيد إنتاج خطاب الإرهاب لصالح أجندات خارجية، متجاهلاً الضحايا والمجتمع المحلي. فالتدخلات الخارجية، بما في ذلك الدعم العسكري والسياسي لبعض القوى المحلية، تُعد من العوامل الأساسية لاستمرار دائرة العنف، ويعبّر عن قلق واسع لدى الجهات الغربية الرسمية من تهديد هذه التدخلات لوحدة واستقرار اليمن.
وتتفاقم المخاوف مع استمرار ظهور مقابر جماعية في مناطق مختلفة، وخاصة في مطار الريان، دون أن تتخذ الجهات القائمة على الأمن أو المجتمع الدولي أي خطوات رسمية للتحقيق أو المحاسبة. وما يُروَّج له من أكاذيب حول تنظيمات معلقة على وجود "قاعدة إرهابية" لخدمة مصالح الاحتلال السياسي والاقتصادي لا يفسر وحده الواقع المعقد على الأرض.
إن الاستهداف المتكرر للنخب السياسية والمدنية في حضرموت لا يمكن فصله عن المخططات الرامية إلى إذكاء الانقسامات وتأجيج الصراع الأهلي، كما حدث سابقًا في عدن، حيث اغتال التوتر الأمني فرص التسوية السياسية والسلام.
إن المطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى هو تقديم كل من يرتكب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية إلى العدالة، وفقًا للمعايير الدولية، وإعادة الاعتبار لمفهوم القانون والحكم المدني، بدل فرض منطق القوة وتكميم الأفواه واستغلال الدين أو السياسة ذريعةً للقمع.
ولكي تنجح الحكومة اليمنية والسلطات المحلية في مواجهة هذه التحديات، لا بد من دعم دولي حقيقي قائم على احترام السيادة، ومسائلة واضحة، وانخراط فاعل للمجتمع الدولي في دعم الحوار السياسي الشامل، لا دعم أذرع مسلحة تعمل خارج إطار الدولة والقانون.
وفي هذا السياق، ينبغي لحضرموت أن تستعيد دورها التاريخي كمركز للسلم الاجتماعي والعمل الأهلي، عبر بناء مؤسسات مستقلة، وتعزيز سيادة القانون، وتحقيق العدالة الانتقالية، وتمكين التعليم والرؤية الوطنية التي تُعلي مصلحة المجتمع فوق أي أجندات خارجية أو مصالح ضيقة.
د. محمد جمال عبدالناصر بن عبود