بقلم/ د. الخضر عبدالله:
ليس السؤال المطروح عبر التاريخ هو: هل تسقط الدول الظالمة؟ بل متى تسقط؟ فسقوط الظلم حقيقة حتمية، وإن بدا متأخرًا أو مفاجئًا. كثيرًا ما تنهار الدول في ذروة قوتها لا في لحظة ضعفها، لأن العوامل الحقيقية للانهيار تكون داخلية، تتراكم بصمت حتى لحظة الانفجار. فالدولة العادلة قد تعيش طويلًا رغم ضعف إمكاناتها، أما الدولة الظالمة فمحكوم عليها بالزوال مهما امتلكت من قوة وبطش، لأن العدل أساس العمران، والظلم نذير الخراب.
التاريخ مليء بأمثلة دول وإمبراطوريات عظيمة سقطت سقوطًا مدويًا، كالرومانية والفارسية والمغولية والسوفييتية. وغالبًا ما يعجز الناس عن فهم أسباب انهيارها لأنهم يربطون بقاء الدول بالقوة المادية وحدها، ويتجاهلون الأمراض الداخلية التي تنخر بنيانها ببطء حتى تنهار فجأة.
يرى عبد الرحمن بن خلدون أن الظلم هو أعظم أسباب سقوط الدول، بل هو المؤذن الحقيقي بخراب العمران. والظلم لا يقتصر على السرقة أو القمع المباشر، بل يشمل إرهاق الناس بالضرائب، ونهب المال العام، وسلب الحقوق، والاعتداء على الأنفس والممتلكات. وقد يتأخر أثر الظلم في الدول الكبيرة بسبب سعة عمرانها، لكنه يعمل في الخفاء، حتى يأتي الانهيار دفعة واحدة، كما حدث مع الاتحاد السوفييتي. ويؤكد ابن خلدون أن فساد العمران بسبب الظلم يؤدي بالضرورة إلى فساد الدولة نفسها.
ومن أخطر أسباب الانهيار سوء البطانة المحيطة بالحاكم، حيث تزين له الظلم، وتبرر له العدوان، وتحوّل الجريمة إلى “حق”، وسفك الدماء إلى “عدل”. ومع هذه البطانة يفقد الحاكم بصيرته، ويُستدرج إلى الهلاك وهو يظن أنه يحسن صنعًا.
ويرى المؤرخ آرنولد توينبي أن الدول تسقط حين تعجز عن الاستجابة للتحديات، وتفقد قدرتها على الإبداع وإدارة الأزمات، فتتحول إلى كيان جامد يكرر نفسه حتى ينهار. ويضيف إدوارد جيبون سببًا آخر، هو انهيار المسؤولية الفردية، حين يفقد الناس شعورهم بالانتماء للدولة، ويغلب عليهم السعي الأناني، وغالبًا ما يكون هذا نتيجة مباشرة للظلم وفقدان العدالة.
كما أن الظلم الخارجي يسرّع السقوط. فقد مارست قوى الاستعمار الغربي أشكالًا واسعة من القمع والنهب، وانتهى بها الأمر إلى تراجع النفوذ وانكسار الهيبة. والظلم لا يسقط بالتقادم، فكيف بدول قامت أساسًا على تشريد الشعوب وسلب الأرض وبناء المجد على الدم؟
إن سقوط دولة الظلم سنّة كونية لا تستثني أحدًا، مسلمة كانت أو غير مسلمة. فالله لا يأمر بالظلم، ولا يقرّ إبادة البشر أو سرقة أوطانهم. ومن مظاهر الاستدراج الإلهي أن يُحاط الظالم بأعوان يبررون جرائمه حتى يكتمل الانحراف ويأتي الأخذ. كما أن انتشار الفساد الأخلاقي والانحلال ومحاربة القيم والدين علامات على قرب الانهيار.
ولا ينبغي الاغترار ببريق القوة الظاهر لدول الظلم، فهو بريق خادع يخفي تصدعات عميقة في الداخل. وسقوط هذه الدول، مهما بدا مستبعدًا، قد يأتي فجأة، وحين تسقط تسقط معها كل الكيانات التي احتمت بظلها. ذلك وعد التاريخ، وسنّة الله، ومصير كل جبار عنيد.