في حياة الشعوب ومنعطفات القضايا المصيرية، تأتي لحظات نادرة تتطلب من القيادة شجاعة تفوق شجاعة القتال؛ إنها شجاعة "المكاشفة" والاعتراف بالواقع لحماية المستقبل.
اليوم، ونحن نقف أمام المشهد الجديد بعد قرار قيادة المجلس الانتقالي بحل المجلس بجميع هيئاته في الرياض، يجب أن نتحدث بصدق ومسؤولية بعيداً عن العواطف الجياشة: لماذا كان هذا القرار حتمياً؟ ولماذا هو الخيار الوحيد لإنقاذ الجنوب من مجهول مخيف؟
* درس المغامرة الشرقية حدود القوة: لا يمكن قراءة قرار الحل بمعزل عن التطورات الميدانية الأخيرة. لقد كانت محاولة التمدد شرقاً للسيطرة على المحافظات الشرقية (حضرموت والمهرة) والاستهتار بالامن الاقليمي، لحظة فاصلة كشفت حدود القوة العسكرية. تلك "المغامرة" التي انتهت بانكسار عسكري، لم تكن مجرد خسارة لمعركة، بل كانت إعلاناً بنهاية حقبة "فرض الدولة بالقوة" وسقوط مشروع "الأمر الواقع".
لقد أثبت الواقع أن الجنوب متنوع، وأن ما يمكن تحقيقه في عدن أو لحج لا يمكن فرضه قسراً على حضرموت وشبوة. وكان الاستمرار في المكابرة بعد هذا الانكسار يعني شيئاً واحداً فقط: تحويل الجنوب إلى ساحة حرب أهلية مفتوحة تستنزف الجميع.
* منع الانزلاق إلى حرب الاستنزاف: إن أخطر ما يواجه الحركات السياسية بعد الانكسارات العسكرية هو التحول إلى "مجموعات انتقامية". لو لم تتخذ القيادة هذا القرار التاريخي بالحل، لكان البديل هو الفوضى. إن قرار الحل جاء لقطع الطريق على سيناريوهات مرعبة، أبرزها التحول نحو "حرب العصابات" أو العمل السري الذي يدمر الأمن ولا يبني دولة. هذا القرار هو "طوق النجاة" الذي يمنع تحول الصراع السياسي إلى ثارات قبلية ومناطقية، ويحمي الجنوب من استقطاب مناطقي حاد (الشرق ضد الغرب) كان سيقضي على النسيج الاجتماعي لعقود قادمة.
* الحفاظ على القضية بالتضحية بالأداة: يجب أن يدرك كل جنوبي غيور أن المجلس الانتقالي كان "أداة" سياسية وليس "غاية" مقدسة. وعندما تصبح الأداة سبباً في تمزيق الصف الجنوبي أو عائقاً أمام الحل، فإن الحكمة تقتضي تغييرها للحفاظ على الغاية الأسمى وهي "قضية الجنوب". إن الجنوب ليس كتلة صماء بل تيارات متعددة، واليوم نعود لإعادة تشكيل "العقد الاجتماعي" الجنوبي تحت مظلة الدولة الجامعة. هذا التحول يضمن أن قضية الجنوب لن تموت بموت المجلس، بل ستنتقل لتصبح "شريكاً" في الدولة، محمية بضمانات إقليمية ودولية تجعل الانقلاب عليها مكلفاً للغاية.
* فرصة للشراكة الحقيقية بدلاً من الإقصاء: لقد خلق الانفراد بالسلطة سابقاً فجوة مع شركاء الوطن. اليوم، يفتح هذا القرار الباب واسعاً لملء الفراغ السياسي بمشروع وطني جامع يضم الجميع دون استثناء. إنه يحول النصر العسكري للشرعية واستعادة الدولة إلى استقرار حقيقي، يمنح حتى قواعد الانتقالي شعوراً بالأمان والمشاركة في المستقبل بدلاً من العزلة. كما أنه يتيح للمجتمع المدني والقبائل لعب دورهم الحقيقي في "ترميم الثقة" وبناء السلم الأهلي بعيداً عن لغة البنادق.
* نحو حل شامل وآمن: إن قرار حل المجلس الانتقالي ليس هزيمة، بل هو "انحناءة للعاصفة" كي لا ينكسر الوطن. لقد اختارت القيادة أن تضحي بالمنصب والكيان لتجنب المحافظات الجنوبية مآلات التمزق والاقتتال. نحن اليوم أمام فرصة تاريخية للانخراط في مسار الحل الشامل الذي يضمن حقوق الجنوب بالمفاوضات والسياسة، وبضمانات الأشقاء، بدلاً من المغامرات العسكرية التي كادت أن تودي بنا إلى الهاوية. العبرة بالخواتيم، وخاتمة هذا المسار هي دولة ضامنة، وجنوب آمن، وشراكة عادلة.. وذلك خير وأبقى من حروب الرفاق التي لا تبقي ولا تذر.