الجنوب باقٍ، مهما تبدّلت الوجوه وتغيّرت المواقع، ومهما حاول أصحاب الصفقات والمصالح القفز من المركب عند أول اختبار حقيقي. فالتجارب علمتنا أن أول من يهرب عند العواصف هم أولئك الذين لم يحملوا القضية يومًا بوصفها مبدأ، بل اتخذوها سلّمًا لمكاسب آنية وحسابات ضيقة. أما الذين سيبقون فعلًا، فهم العقلاء أصحاب المبادئ، الذين يضعون الجنوب نصب أعينهم، ويفتحون صدورهم للآخرين، ويؤمنون أن القضايا العادلة لا تُدار بالعصبية ولا تُحمى بالأنانية.
خضنا في الأيام الماضية معركة لم تكن معركة سلاح بقدر ما كانت معركة وعي ومسؤولية. وقفنا إلى جانب الشرفاء دفاعًا عن أمن كل من يسكن عدن، دون تمييز أو إقصاء؛ دفاعًا عن الإنسان بوصفه قيمة عليا، سواء كان شماليًا أو جنوبيًا، صنعانيًا أو حضرميًا، يافعيًا أو شبوانيًا، بل وحتى أجنبيًا يعيش بيننا بسلام. كانت تلك معركة عقل، خضناها بوعي، ونجحنا من خلالها في تفويت الفرصة على أعداء الجنوب، وعلى أصحاب الفيد الذين لا يعيشون إلا على الفوضى والانقسام.
ومن هذا المنطلق، أتوجه اليوم إلى العقلاء من أبناء شعبي في الجنوب. نحن أمام مفترق تاريخي بالغ الحساسية، يتطلب حكمة لا اندفاعًا، وبصيرة لا انفعالًا. المرحلة لا تحتمل الشعارات الفارغة ولا القرارات المتسرعة، بل تحتاج إلى قراءة عميقة للواقع، وإلى شجاعة أخلاقية في مراجعة المسار وتصحيح الأخطاء. ولهذا، فإن منح فرصة حقيقية للحوار الجنوبي لم يعد خيارًا ثانويًا، بل ضرورة تفرضها اللحظة التاريخية.
إن الدخول في حوار جنوبي جاد، في ظل ضمانات واضحة من الإخوة الأشقاء في قيادة المملكة العربية السعودية، يفتح باب الأمل لحل عادل للقضية الجنوبية، ورفع الحصار الاقتصادي، وإنهاء سياسة التفرد بالقرار والتهميش التي أضعفت الصف وأرهقت الناس. الحوار هنا ليس تنازلًا، بل أداة عقلانية لحماية الحقوق وصون المكتسبات، والانتقال بالقضية من حالة الاستنزاف إلى أفق الحل السياسي المعترف به إقليميًا ودوليًا.
المرحلة القادمة تستوجب صيغة وطنية جامعة، تعيد لملمة الكلمة الجنوبية، وتؤسس لشراكة عادلة بين مختلف المكونات، بعيدًا عن الإقصاء والاستحواذ. شراكة تقوم على الاعتراف المتبادل، وعلى إدارة الخلاف ضمن أطر سياسية مسؤولة، لا عبر فرض الأمر الواقع أو تغليب منطق القوة. فالقضايا الكبرى لا تُحسم بالغلبة، بل بالتوافق الواعي الذي يحمي المجتمع من التفكك ويمنحه القدرة على الصمود.
إن ما نريده ببساطة هو أن تشهد محافظات الجنوب استقرارًا حقيقيًا في مختلف مناحي الحياة؛ أمنًا، واقتصادًا، وخدمات، وكرامة إنسانية. ولن يتحقق ذلك إلا حين ننتصر للعقل، وندفن العنصرية، ونفتح أبواب الحوار الصادق بوصفه الطريق الوحيد للحلول العقلانية. فبالحوار ننتصر، وبالوحدة الواعية نحمي قضيتنا من العبث والتوظيف، ونحفظ تضحيات الناس من أن تتحول إلى وقود لصراعات لا تنتهي.
في النهاية، لا بد من الإيمان بأن النصر ليس لحظة عابرة، بل مسار طويل يتطلب صبرًا وحكمة، وقدرة على التمييز بين من يعمل للقضية ومن يتاجر بها. وما النصر إلا صبر وحكمة… إن شاء الله.
علي شايف الحريري
10 يناير 2026