آخر تحديث :الثلاثاء-13 يناير 2026-03:08ص

على حافة التيه... حين تصرخ الروح في صمتها..

السبت - 10 يناير 2026 - الساعة 05:25 م
معتز الجعمي

بقلم: معتز الجعمي
- ارشيف الكاتب


سامحوني، لم أعد أحتمل هذا الصمت الذي ينهشني من الداخل.

ليس صمت اللسان، بل صمت الروح حين تُغلق في وجهها أبواب الفهم، وتضيع في زحام الأصوات الزائفة.


أعيش غربة لا تشبه الغربة،

غربة لا تُقاس بالمسافات، بل تُقاس بعدد القيم التي سقطت من حولك دون أن يرفّ لها جفن.

غربة الدين بين أهله، وغربة الصدق في زمنٍ يعبد الواجهة ويصلّي في محراب التزييف.


لست وحدي، أعلم ذلك.

كل من بقي قلبه نابضاً بالحقيقة، يشعر بهذا التمزق.

نحن أبناء الحيرة، نحمل في صدورنا يقيناً يتآكل، ونمشي على أرض تتبدل مع كل خطوة.


أشعر وكأنني على متن طائرة تهتز فوق سماء مضطربة،

أنظر من نافذتها فأرى أمةً تتهاوى،

أرى النفاق يزحف كالسُمّ في العروق،

أرى الحق يُقصى، والباطل يُزفّ إليه بالتصفيق.


أرى الحياة تُعرض علينا كسلعة،

مزينة بالضجيج، مدهونة بالشهوات،

تسرقنا من قبلتنا، وتُغرقنا في تفاصيل لا تُشبع الروح ولا تُرضي الضمير.


مشكلتي أنني لست قائداً لأعيد توجيه الدفّة،

ولست راكباً غافلًا لأستسلم للرحلة.

أنا العالق في المنتصف،

واقف على مفترق طرق،

أحدها مفروش بالزيف والراحة،

والآخر محفوف بالجمر والصدق.


قلبي يصرخ: "انهض، قل كلمتك، لا تكن شاهد زور"،

لكن عقلي يهمس: "الفتنة عمياء، والقلوب صلبة، فماذا ستغير؟"


أنا ممزق بين واجب التغيير وخوف العجز،

بين صوت الحق وهمس الحكمة،

بين أن أكون شاهداً صامتاً أو شهيداُ للكلمة.


لست يائساً، لكنني موجوع.

لست ساخطاً، لكنني حائر.

أحمل في داخلي كلاماً لا يُقال،

خشية أن يُفهم خطأ، أو يُستغل في غير موضعه.


فهل الصمت حكمة؟

أم هو قناع الجبن حين يعجز اللسان عن قول الحق؟

هل نعيش بسلام حين نصمت؟

أم نموت ببطء حين نخون ضمائرنا؟


في النهاية، لا أملك إلا أن أرفع يدي إلى السماء وأقول:

اللهم دلّني إذا تاهت بي السبل،

وثبّت قلبي إذا اضطربت الأرض من تحتي،

ولا تجعلني من الذين باعوا دينهم بثمنٍ بخسٍ من راحة زائفة.


#معتز_الجعمي