خطاب العليمي: خارطة طريق لتصحيح المسار
أحمد الشميري
أثبتت الأحداث التي عاشتها بلادنا في الأسابيع القليلة الماضية أن اليمن تمتلك قائدًا شجاعًا، يدرك المخاطر التي تمر بها بلاده، وقادرًا على اتخاذ القرارات الصائبة التي تصب في مصلحة اليمن العليا، بكل شفافية وحرص على وحدة الصف.
لقد جاء خطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، في توقيت بالغ الأهمية، ليؤكد أن اليمن يقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة، مختلفة في شكلها ومضمونها وأدواتها، عنوانها توحيد الصف الوطني، وترتيب البيت الداخلي، والانتقال من حالة إدارة الأزمات إلى مرحلة اتخاذ القرارات القوية، وصناعة الأمن والاستقرار في المحافظات اليمنية المحررة، وحمايتها من خطر الحوثي والعمليات الإرهابية التي ظلت تهدد السلم المجتمعي وتقوض أي مسار نحو الدولة.
لم يكن خطاب فخامة الرئيس اليوم توصيفًا للواقع بقدر ما كان إعلانًا سياسيًا واضحًا لبدء مرحلة تقودها المملكة العربية السعودية بالشراكة مع الحكومة الشرعية وكافة الأطراف اليمنية، في إطار رؤية شاملة تهدف إلى تثبيت الأمن، وبناء جيش قوي، وتعزيز سلطة الدولة والقانون، وقطع الطريق أمام مشاريع الفوضى والانقلاب.
والمتابع للخطاب يجد أنه ركز في مقدمته على الحرص على وحدة الصف باعتبارها المدخل الحقيقي لأي استقرار مستدام، والتأكيد على أن المملكة ستتولى قيادة هذه المرحلة وضمان مسارها، ليس من باب الوصاية، بل من موقع الشريك والضامن والداعم لليمن وأمنه ووحدته، واعترف ضمنيًا بطبيعة التحديات التي ستواجه القيادة اليمنية والحلول الممكنة لذلك. وبطبيعة الحال، فإن أي تراخٍ أو ازدواج في القرارين السياسي والعسكري لن يخدم سوى مليشيا الحوثي والتنظيمات الإرهابية، التي تتغذى على الانقسامات وتراهن على تفكك الجبهة الداخلية، وهو ما يجعل توحيد القرار أولوية لا تقبل التأجيل.
وفيما يتعلق بالقضية الجنوبية، حملت كلمة فخامة الرئيس رسائل بالغة الوضوح، أكدت أن مؤتمر الحوار الجنوبي – الجنوبي سيكون تحت رعاية المملكة العربية السعودية، وهي الجهة التي ستديره وتشرف على مساره ومخرجاته، بما يضمن نزاهة الحوار وشموليته، ووصوله إلى حلول عادلة تعكس تطلعات أبناء الجنوب بعيدًا عن الإقصاء أو الاحتكار.
ومن المؤكد فإن هذه الرعاية تمثل ضمانة حقيقية لإنهاء حالة التوظيف السياسي للقضية الجنوبية، ونقلها من مربع المزايدات إلى فضاء الحلول الواقعية التي تحفظ الحقوق وتخدم استقرار اليمن ككل.
وشددت الكلمة على أن المؤتمر الخاص بالقضية الجنوبية، الذي ستستضيفه الرياض، سيكون بمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، لا ما يسمى بالمكونات الجنوبية، في تصحيح واضح لمسار التمثيل، وتأكيد على أن القضايا الوطنية الكبرى لا تُدار عبر كيانات ضيقة أو فصائل مسلحة تدّعي تمثيل الشارع، بل من خلال شخصيات سياسية واجتماعية ووطنية من صلب المجتمع، تعبّر عن مختلف الأطياف، وتحمل القدرة على إنتاج حلول مسؤولة ومستدامة لمطالب الشعب نفسه.
وعلى الصعيد العسكري، شكّل الإعلان عن تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحولًا مفصليًا في مسار المعركة الوطنية، وأكد فخامة الرئيس أن هذه اللجنة ستكون تحت قيادة قوات تحالف دعم الشرعية، لا تحت قيادة الحكومة اليمنية، وستتولى مهمة إعداد وتجهيز وقيادة جميع القوات والتشكيلات العسكرية اليمنية، في خطوة تهدف إلى إنهاء حالة التشظي العسكري، وبناء مؤسسة عسكرية موحدة ذات عقيدة وطنية واضحة.
كما أن تولي المملكة صرف ميزانية اللجنة ورواتبها يعكس جدية الانتقال إلى مرحلة الانضباط العسكري، والاستعداد لكافة الخيارات، بما فيها خيار الحسم، في حال أصرت المليشيا على رفض الحلول السلمية والاستمرار في مشروعها الانقلابي.
الحقيقة أن هذه الرسالة يجب أن يفهمها الحوثي وداعموه بأن باب السلام لا يزال مفتوحًا؛ فإن كانوا أهلًا له فمرحبًا، وإن اختاروا طريق التصعيد، فإن رجال الوطن جاهزون لكل المراحل والسيناريوهات بقوة موحدة، وقوى سياسية متكاتفة، ولن يكون بعد اليوم هناك متسع لزرع الفتنة أو اختلاق الذرائع للبقاء على أرض ترفض مشاريع الحوثي وداعميه.
إن مجمل ما تضمنته كلمة فخامة الرئيس يؤكد أن اليمن لم يعد ساحة مفتوحة للعبث أو التجارب، وأن هناك قرارًا إقليميًا ويمنيًا مشتركًا بإغلاق ملفات الفوضى، والانتقال إلى مرحلة الدولة، بكل ما تعنيه من أمن وسيادة ومؤسسات.
لقد كانت كلمة الرئيس في مضمونها رسالة واضحة للداخل والخارج بأن السلام خيار مفضل، لكنه لن يكون على حساب الدولة، وأن اليمن، بدعم المملكة وتحالف دعم الشرعية، ماضٍ نحو استعادة استقراره، وحماية محافظاته المحررة، ووضع قضاياه الوطنية، وفي مقدمتها القضية الجنوبية، على مسار عادل ومسؤول يخدم حاضر البلاد ومستقبلها.
وما أضاف بعدًا سياسيًا لقوة هذا الخطاب أنه جاء متزامنًا مع رسالة واضحة من مصدر مسؤول إلى عضو مجلس القيادة الرئاسي، فجر البحسني، الذي ظل طوال الأيام الماضية مترددًا وخائفًا وضعيفًا أمام من يحتجزه. ولم يكتفِ بمواقفه المترددة، مفادها أن التهرب من المسؤولية ليس حلاً، وأن هذا الإنذار الأخير يعني أن عهد الانفلات قد انتهى.
إن ما أثار السخرية هو رد البحسني على الإنذار الأخير من مجلس القيادة الرئاسي، حيث أظهر قدرًا كبيرًا من التخبط، وحاول التشكيك في الرسالة وإخفاء ما يتعرض له، والدفاع عن من يحتجزه، بل ووصفه بأنه قائد في التحالف بعد أسبوعين من طرده.