لم تكن الأزمة الأخيرة بين المجلس الانتقالي الجنوبي والمملكة العربية السعودية حدثاً معزولاً أو طارئاً خارج سياق التعقيد اليمني، بل جاءت حلقةً ضمن مسار سياسي وأمني متشابك، تتقاطع فيه المصالح، وتتزاحم السرديات، وتُختبر خلاله قدرة الأطراف على إدارة الخلاف دون الانزلاق إلى القطيعة أو التصعيد غير المحسوب.
منذ انخراط المملكة العربية السعودية في الملف اليمني، تعاملت مع الجنوب بوصفه عامل توازن لا يمكن تجاوزه، ومع المجلس الانتقالي الجنوبي باعتباره فاعلاً سياسياً وعسكرياً حاضراً في الميدان ويتمتع بامتداد شعبي واضح. وفي المقابل، نظر المجلس الانتقالي إلى الرياض كضامن إقليمي أساسي لأي تسوية عادلة ومستدامة، لا كطرف خصم أو جهة مواجهة.
الأزمة الأخيرة، على حدّتها ، كشفت في جوهرها عن إشكالية في إدارة الشراكة أكثر مما كشفت عن انهيارها. فجوهر الخلاف لم يكن حول المبادئ الكبرى، بل حول آليات التنفيذ، وحدود الالتزامات، وتباين التقديرات بشأن الأولويات الأمنية والسياسية في مرحلة شديدة الحساسية.
هنا تبرز حقيقة لا يمكن تجاوزها : لا حل خارج الرياض، ولا استقرار في الجنوب بمعزل عن تفاهم صريح ومسؤول مع المملكة. فالرياض ليست فقط عاصمة القرار الإقليمي، بل منصة التسويات ومركز الثقل الذي لا يمكن لأي طرف يمني القفز على دوره. كما أن أي محاولة لتدويل الخلاف أو نقله إلى ساحات إعلامية أو سياسية أخرى لن تفضي إلا إلى مزيد من التعقيد واستنزاف الثقة.
الحل في الرياض لا يعني خضوعاً، ولا تراجعاً عن الثوابت الجنوبية، بل يعني إدارة الخلاف بعقل الدولة لا بردود الفعل، وبمنطق الشراكة لا بمنطق كسر الإرادات. ويعني أيضاً الإنتقال من لغة الشكوى المتبادلة إلى طاولة المصالح الواضحة: ما الذي تريده المملكة لضمان أمنها واستقرار الإقليم؟ وما الذي يريده الجنوب لضمان شراكته السياسية وحماية مكاسبه التي تحققت بتضحيات جسيمة؟
الفرصة ما تزال قائمة، بل إن الأزمة نفسها يمكن تحويلها إلى محطة لإعادة ضبط المسار إذا ما أُحسن استثمارها سياسياً. فالجنوبيون يمتلكون اليوم أوراق قوة حقيقية، من حضور ميداني وقاعدة شعبية راسخة، فيما تمتلك المملكة القدرة على رعاية حوار جنوبي وتفاهمات واقعية توازن بين متطلبات الأمن الإقليمي وخصوصية القضية الجنوبية.
المطلوب في هذه اللحظة ليس تصعيد الخطاب ولا شيطنة الأطراف، بل فتح قناة سياسية مباشرة، صريحة، وهادئة في الرياض، تُناقش فيها الهواجس قبل اتخاذ القرارات، وتُعالج الأخطاء قبل أن تتحول إلى أزمات مزمنة. فالتجارب السابقة أثبتت أن القطيعة لا تنتج حلولًا، وأن إدارة الخلاف تحت سقف التحالف، مهما كانت صعبة، تبقى أقل كلفة من الفوضى السياسية.
في الخلاصة، قد تتعدد العناوين وتختلف القراءات، لكن الحقيقة الثابتة أن الحل لن يُكتب له النجاح إلا إذا كُتب في الرياض. هناك تُصاغ التفاهمات، وهناك فقط يمكن تحويل الأزمة من اختبار خطِر إلى فرصة لإعادة بناء شراكة أكثر وضوحاً وتوازناً، تحفظ للجنوب حقوقه، وللمنطقة استقرارها ..
بقلم / محمد علي رشيد النعماني ..