آخر تحديث :الأحد-22 مارس 2026-12:14ص

السفارات والنفوذ يا د العليمي

الإثنين - 12 يناير 2026 - الساعة 08:07 ص
د. محمد جمال عبدالناصر بن عبود

بقلم: د. محمد جمال عبدالناصر بن عبود
- ارشيف الكاتب


في الوقت الذي تتحدث فيه الدولة عن مسار تصحيحي واستعادة للهيبة وبناء مؤسسات تحترم القانون، يبرز سؤال موجع يفرض نفسه: هل يمتد هذا التصحيح إلى حيث يعيش المواطن اليمني ضعيفًا وبلا سند خارج حدود الوطن؟ أم أن بعض مؤسسات الدولة في الخارج ما زالت بمنأى عن الرقابة والمساءلة، تمارس أدوارًا تناقض جوهر وجودها؟

إن ما يجري داخل بعض بعثاتنا الدبلوماسية، وعلى وجه الخصوص السفارة اليمنية في القاهرة، لم يعد مجرد تجاوزات إدارية عابرة، بل تحوّل إلى نمط مقلق من الاستغلال والجباية وإهانة المواطن. سفارات أُنشئت لتكون مظلة حماية، فإذا بها في نظر كثير من اليمنيين تتحول إلى عبء إضافي، ومصدر خوف، وبوابة إذلال.

وجود موظفين غير يمنيين داخل السفارة، يتحكمون في معاملات ومصائر المواطنين، ويتعاملون معهم بتعالٍ فج، ليس مجرد خلل إداري، بل مساس مباشر بسيادة الدولة وكرامة المواطن. الأخطر أن هذه الممارسات تتم بعلم إدارة السفارة، ودون رادع حقيقي، ما يفتح الباب واسعًا للتساؤل: من أوجد هؤلاء؟ ولماذا مُنحوا هذا النفوذ؟ وما الثمن الذي دُفع ليبقى الوضع على هذا النحو؟

ثم يأتي ملف المال العام، الأخطر والأكثر حساسية. مخصصات مالية تُصرف بالدولار لأشخاص لا يُعرف لهم عمل فعلي ولا حضور منتظم، في الوقت الذي يُثقل فيه كاهل المواطن برسوم باهظة، بعضها يُفرض بالدولار على خدمات سيادية كإصدار الهوية الوطنية. أي منطق هذا؟ وأي عدالة؟ أليست الهوية الوطنية حقًا أصيلًا لا سلعة؟ وأين تذهب هذه الأموال؟ وكيف تُحصَّل؟ ولصالح من؟

وهنا يبرز سؤال لا يقل خطورة: هل تساءلتم يومًا عن المدارس اليمنية في الخارج؟ وأنتم تعلمون جيدًا من يمتلكها، وما صلته، وما قرابته؟ هل تساءلتم لماذا أُغلقت؟ ولصالح من؟ وهل تساءلتم عن الرسوم المفروضة للدراسة في مبانٍ متهالكة، لا تصلح أن تكون مؤسسات تعليمية، بل أقرب ما تكون إلى سجون، لا مراكز علم وبناء أجيال؟ هل كان جيب ذلك المواطن البسيط، الذي يعتاش على فتات الفتات، قادرًا على تحمّل هذه الأعباء، بينما تُغلق أمام أبنائه أبواب التعليم الكريم؟

وفي المقابل، نشهد مشهدًا صارخًا لا يمكن تجاهله: مسؤولون ونافذون وفارّون بأموال الشعب يتنعمون في العواصم، ويتاجرون في العواصم الإدارية، ويشترون الشقق والفلل والمباني الفاخرة. فمن أين أتوا بهذه الأموال؟ وأي دخل مشروع يبرر هذا الثراء الفاحش؟ وأي صمت هذا الذي يُمارس أمام هذه الفجوة المهينة بين مواطن مسحوق ونخبة تعيش في بحبوحة لا تفسير لها؟

وإذا كان رفع علم غير علم اليمن يُعد جُرمًا يُعاقَب عليه بالغرامة والسجن، أفلا يكون من الأولى أن يُحاسَب المجرمون الحقيقيون، ناهبو خيرات اليمن، ومن حوّلوا المال العام إلى غنيمة خاصة؟ إن الفساد لا يُسقطه التقادم، ولن يُمحى بالنسيان أو بالصمت. الحساب آتٍ، وسيكون وفق الدستور والقانون، على كل ريال نُهب أو صُرف دون وجه حق، وعلى كل موقع أُسيء استخدامه، وعلى كل كرامة مواطن دُوست باسم الوظيفة أو النفوذ.

إن الحديث عن تصحيح وبناء دولة لا يستقيم ما لم يبدأ من هؤلاء: من اختلسوا المال العام، ومن باعوا شرف الأرض والسيادة بثمن بخس، ومن حوّلوا مؤسسات الدولة في الداخل والخارج إلى أدوات ابتزاز وإثراء غير مشروع. لا يمكن لدولة أن تنهض، ولا لثقة أن تُستعاد، ما دام الفساد يُكافأ، والمواطن يُهان، والعدالة تُؤجَّل.

هذا مقال يُكتب باسم وجع الناس، لا بدافع الخصومة، بل بدافع الحرص على ما تبقى من هيبة الدولة وكرامة المواطن. فما زالت أقلام الأحرار حاضرة، وما زالت إرادتهم صلبة، وما زالت ساحات الحق شاهدة بأن هذا الشعب، مهما طال صبره، لا ينسى حقوقه، ولا يتنازل عن كرامته.


بقلم د. محمد جمال عبدالناصر بن عبود