آخر تحديث :السبت-14 مارس 2026-11:32م

الناس لا مع هذا ولا ذاك… بل مع لقمة العيش

الثلاثاء - 13 يناير 2026 - الساعة 10:08 م
د. الخضر عبدالله

بقلم: د. الخضر عبدالله
- ارشيف الكاتب


بقلم/ د. الخضر عبدالله:


في ظل الأوضاع المعقدة التي تعيشها بلادنا اليوم، وخصوصاً في المناطق اليمنية المحررة، بات المواطن العادي يعيش حالة غير مسبوقة من التيه السياسي والضياع الفكري. لم يعد كثيرون يعرفون على وجه التحديد مع من هم، ولا إلى أي مشروع أو سياسة ينتمون. تداخلت الشعارات، وتشابكت الولاءات، واختلطت الأولويات، حتى غدا المشهد ضبابياً إلى حد أفقد الناس قدرتهم على الفهم أو الثقة.

لم تعد السياسة بالنسبة للمواطن اليمني شأناً نخبويّاً أو خياراً فكرياً، بل تحولت إلى عبء يومي ثقيل. فبين ليلة وضحاها تنقلب الأوضاع من حال إلى حال، وتتغير التحالفات، وتتبدل المواقف، دون مقدمات واضحة أو تفسيرات مقنعة. ما كان يُرفع بالأمس كشعار مقدس، قد يصبح اليوم موضع تشكيك أو تخوين، وما كان مرفوضاً بالأمس قد يُعاد تقديمه كخيار واقعي لا بديل عنه.


في أحد مقاهي الشاي الشعبية، حيث يجتمع البسطاء هرباً من هموم الحياة، طرحت سؤالاً عفوياً على من كانوا يجلسون حولي: “يا جماعة، مع من أنتم؟”. لم يكن السؤال سياسياً بقدر ما كان إنسانياً، فجاءت الإجابات صادمة في بساطتها وصدقها. قال أحدهم: “والله ما عدنا ندري”، وقال آخر: “كلهم يتكلموا باسمنا، ولا أحد يسأل عنا”، بينما اكتفى ثالث بالصمت وهو يحدق في كوب الشاي كأنه يبحث فيه عن إجابة ضائعة.


هذا المشهد البسيط يعكس حقيقة أعمق: المواطن لم يعد شريكاً في القرار، بل مجرد متفرج على صراع سياسي معقد لا يفهم تفاصيله، ولا يلمس نتائجه الإيجابية على حياته اليومية. فالخدمات تتدهور، والأسعار ترتفع، والعملة تنهار، بينما ينشغل الساسة بتبادل الاتهامات وتصفية الحسابات.


في المناطق المحررة، كان الناس يأملون أن تكون نموذجاً للاستقرار وإعادة بناء الدولة، لكن الواقع جاء مغايراً. تعدد السلطات، وتضارب القرارات، وغياب الرؤية الموحدة، كلها عوامل أسهمت في تعميق حالة الإحباط. المواطن البسيط لا يهمه اسم الجهة الحاكمة بقدر ما يهمه أن يجد راتبه، وكهرباء مستقرة، وغاز طبخ، وأمناً يشعره بالطمأنينة.


السياسيون، من جهتهم، يتحدثون بلغة المصالح والتحالفات، بينما يتحدث المواطن بلغة الجوع والتعب والخوف من المستقبل. هذا الانفصال بين الخطاب السياسي والواقع المعيشي هو ما خلق فجوة كبيرة من عدم الثقة. لم يعد الناس يصدقون الوعود، ولا يثقون بالبيانات، لأن التجربة علمتهم أن ما يُقال في المنصات لا يصل إلى البيوت.


الأخطر من ذلك أن هذا الضياع السياسي بدأ ينعكس اجتماعياً. فحين يفقد الناس بوصلتهم، يصبحون أكثر عرضة لليأس أو التطرف أو اللامبالاة. وحين يشعر المواطن أن لا أحد يمثله، وأن صوته لا قيمة له، فإنه ينسحب بصمت من الشأن العام، تاركاً الساحة لمن لا يعبرون عن آلامه ولا عن طموحاته.


ما تحتاجه بلادنا اليوم ليس مزيداً من الخطابات والبيانات، بل وضوحاً في الرؤية، وصدقاً في المواقف، وإعادة الاعتبار للمواطن كغاية لأي عمل سياسي، لا كوسيلة أو رقم. يحتاج الناس إلى من يخاطب عقولهم بصدق، ويشاركهم همومهم، ويقدم حلولاً واقعية لا شعارات مؤقتة.


أما ذلك المواطن الذي جلس في مقهى الشاي وقال: “بالنسبة لي لم أعد أدري ما حولي”، فهو ليس حالة فردية، بل صوت شريحة واسعة من اليمنيين الذين تعبوا من الضياع، وينتظرون لحظة وضوح تعيد لهم الإحساس بأنهم جزء من وطن، لا مجرد عابرين في بحر الساسة المتلاطم.