آخر تحديث :الأربعاء-04 فبراير 2026-09:50م

عادت الحياة إلى عدن بعودتها إلى الدولة

الأربعاء - 14 يناير 2026 - الساعة 12:53 م
د. غسان ناصر عبادي

بقلم: د. غسان ناصر عبادي
- ارشيف الكاتب


لم تكن معاناة الخدمات في عدن مجرد أرقام أو شكاوى عابرة، بل كانت واقعًا يوميًا قاسيًا يثقل كاهل المواطن ويقض مضجعه.

لسنوات، عشنا أبسط حقوقنا من ماء وكهرباء واتصالات وكأنها منحة لا حقًا أصيلًا.


ففي البريقة، كان انقطاع المياه يستمر طوال الأسبوع، ولا تفتح إلا ساعتين فقط، وغالبًا في آخر الليل، دون وقت محدد، ساعتان يتحول فيهما الحي إلى حالة استنفار، يهرع المواطنون لتشغيل الدينمات وشفط ما تيسر من الماء، أما أنا، فكنت أُجبر أنا وأطفالي على الذهاب إلى مسجد الحي حاملين “الدِبَب” للتزود بالماء، لعدم قدرتي على شراء صهريج ماء كما يفعل الميسورون، مشهد مهين ومؤلم، لم يحدث مرة أو مرتين، بل أصبح نمط حياة.


لكن خلال الأيام القليلة الماضية، ومع عودة عدن إلى حضن الدولة، عاد الماء إلى منزلي، وامتلأ الخزان بالكامل، ولأول مرة منذ سنوات طويلة، مشهد بسيط، لكنه يحمل دلالة كبيرة: عودة الدولة تعني عودة الحياة.


أما الكهرباء، فكانت معاناة لا تقل قسوة، انقطاعات تتجاوز 15 ساعة، مقابل ساعتين تشغيل فقط، كنا نضطر للذهاب إلى المسجد لشحن هواتفنا، رغم امتلاكنا لوح طاقة شمسية وبطارية، إلا أن طول الانقطاع كان يستنزفها، خصوصًا عند خروج المنظومة الكهربائية كليًا بسبب شح الوقود، اليوم، ومع التحسن الملحوظ خلال هذه الأيام، بالكاد شعرنا بانقطاعات تذكر، وهذا التحسن لم يأتِ من فراغ، بل جاء مع عودة العاصمة عدن إلى إدارة الدولة.


وفي ملف الاتصالات، لا يمكن نسيان قرار قطع شركة “يو” عن عدن بحجة إجراءات أمنية ضد الحوثيين، في الوقت الذي ظلت فيه شركة “يمن موبايل” – ومركزها صنعاء الخاضعة للحوثيين – تعمل دون انقطاع، كان أبناء حارتي يعطونني هواتفهم لأقوم بتفعيلها في محافظة أبين بحكم عملي هناك، وما إن أتجاوز نقطة العلم حتى تعود الشبكة المحظورة في عدن! واليوم، يصدر محافظ عدن الجديد قرارًا بإعادة شركة “يو” للعمل، في خطوة تؤكد أن الدولة وحدها قادرة على إدارة الملفات بعيدًا عن العبث والتناقض.


إن عودة عدن إلى الدولة لم تكن مجرد تغيير إداري، بل استعادة لمتنفسات المدينة وأحواشها من قبضة المتنفذين، وعودة الإيرادات إلى البنك المركزي بدلًا من ذهابها إلى البنوك الخاصة، وبداية فعلية لوقف الجبايات، ومع هذه الخطوات، تعود الخدمات، ويستعاد الأمل، وتفتح الطريق أمام انتظام صرف الرواتب شهريًا.


هكذا فقط، تعود الحياة إلى عدن…

عندما تعود عدن إلى الدولة.



*د. غسان ناصر عبادي*