آخر تحديث :الأحد-22 مارس 2026-12:14ص

من دفع الثمن ؟

الخميس - 15 يناير 2026 - الساعة 02:03 م
د. محمد جمال عبدالناصر بن عبود

بقلم: د. محمد جمال عبدالناصر بن عبود
- ارشيف الكاتب


بقلم د. محمد جمال عبدالناصر بن عبود


منذ انطلاق ما سُمّي بـ«عاصفة الحسم»، واليمن يُدفع تدريجيًا نحو الانهيار. ورغم الجدل القانوني والسياسي حول شرعية العملية من أساسها، وبالرغم من علم وموافقة الرئيس عبدربه منصور هادي، فقد أيّدها قطاع واسع من اليمنيين بدافع الأمل لا القناعة، أملاً في استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب. غير أن ما تلا ذلك لم يكن استعادة لمؤسسات الدولة، بل بداية تفكيك منظم لها تحت غطاء التحالف.

فتخريب اليمن بدأ فعليًا من خلال القبول بوجود عسكري غير منضبط بسلطة الدولة، تمثّل في تشكيل ميليشيات وقوات موازية، وإنشاء معسكرات تعمل خارج الإطار الدستوري. وبدلًا من إعادة بناء مؤسسات الدولة وتمكينها، جرى إضعافها تدريجيًا، حتى تحولت الشرعية إلى واجهة سياسية بلا أدوات سيادة حقيقية، بينما انتقلت القوة الفعلية إلى أطراف لا تخضع للقرار الوطني.

ومع ما عُرف بـ«معركة العلم»، لم يعد الخلاف سياسيًا، بل مساسًا مباشرًا بجوهر الدولة، حين تحولت مسألة رفع علم الجمهورية على مؤسساتها إلى صراع، في سابقة كشفت حجم الانحراف عن مفهوم الدولة. وعندما ارتفعت أصوات وطنية ترفض هذا المسار وتحذّر من الاحتلال المقنّع وتطالب بوقف العبث بوحدة اليمن، جرى التعامل معها بحملات تخوين وتجريم سياسي، في انتهاك واضح لحق الرأي والتعبير، ومحاولة لإسكات أي موقف وطني مستقل.

وفي هذا السياق، فإن المسؤولية القانونية لا تقوم فقط على الفعل المباشر، بل تمتد لتشمل القبول والتسهيل والتغطية والصمت حين يكون الامتناع واجبًا. فالدولة، وفق الدستور، تُقاس سيادتها بمدى احتكارها لاستخدام القوة وإدارتها للأرض والثروة، وأي إخلال بهذا الاحتكار—سواء عبر السماح بوجود عسكري غير خاضع لسلطتها، أو تمكين تشكيلات مسلحة موازية، أو تسليم منشآت سيادية وموارد طبيعية لقوى أجنبية أو وكلائها—يُعد انتهاكًا جسيمًا لمبدأ السيادة، ويُحمّل كل من شارك أو وافق أو سهّل أو تقاعس عن المنع مسؤولية دستورية وقانونية قائمة بذاتها، لا تنتفي بتبدّل التحالفات، ولا تُمحى بالذرائع السياسية، ولا تسقط بالتقادم، ولا تُعالج بالصفقات.

وتتضاعف هذه المسؤولية عند النظر إلى أخطاء الماضي التي لم يُحاسَب عليها أحد، حيث جرى دعم أطراف داخل اليمن ثم الانقلاب عليها تباعًا: من دعم أنصار الله ضد نظام علي عبدالله صالح، ثم دعم صالح ضد أنصار الله، ثم الانتقال إلى دعم تشكيلات أخرى كالمجلس الانتقالي وغيرها، في سلسلة عبث سياسي وأمني أثبتت أن الرهان لم يكن يومًا على بناء دولة، بل على إدارة صراعات. هذه التجاوزات لا يجوز تجاوزها بالصمت أو التبرير، بل يجب الوقوف عليها بوضوح، ليس بدافع الانتقام، بل ضمانًا لعدم تكرارها، فقد اكتفى اليمنيون من هذا العبث الذي دفعوا ثمنه دمًا وتشريدًا وانهيارًا.

وتُجسّد سقطرى نموذجًا صارخًا لهذا المسار، حيث فُرض أمر واقع بالقوة، وجرت ممارسات مسّت البيئة والهوية في غياب فعلي لمؤسسات الدولة. كما شهدت محافظات جنوبية إنشاء مراكز احتجاز غير خاضعة للسلطة القضائية، مورست فيها انتهاكات جسيمة، شملت الاعتقال التعسفي والتعذيب، دون مساءلة حقيقية. ولاحقًا تكشفت وقائع أخطر تمثلت في اغتيالات سياسية، ونهب منظم للثروات في حضرموت، والعبث بثروات شبوة، والسيطرة على منشآت استراتيجية، بمشاركة قوى أجنبية، في ظل صمت رسمي يرقى إلى التواطؤ.

ولم يتوقف الثمن عند حدود السيادة، بل امتد إلى البعد الإنساني والاقتصادي. فقد دُفع اليمنيون إلى التشرد داخل وطنهم وخارجه، وفقد مئات الآلاف مصادر رزقهم. وفي السعودية، فُرضت رسوم وإجراءات قاسية طالت اليمنيين، إلى جانب مضايقات في سوق العمل وفرض نسب توظيف قيّدت فرصهم، ما أجبر أعدادًا كبيرة على المغادرة، في حين مُنحت استثناءات واضحة لجنسيات أخرى. وهنا تبرز تساؤلات مشروعة حول عدالة الشراكة وحدود الالتزام السياسي والأخلاقي داخل هذا التحالف، لا سيما وأن التدخل العسكري أُسّس سياسيًا على قرارات أممية صادرة تحت الفصل السابع، وهو فصل يمنح تفويضًا محددًا بزعم حماية السلم والأمن، لا تفويضًا مفتوحًا بالوصاية، ولا غطاءً لتقويض السيادة، ولا مسوغًا لتحويل الدولة إلى ساحة نفوذ أو مورد استنزاف.

وفي الإطار ذاته، لا يمكن تجاهل الدور التخريبي الذي يمارسه ما يُعرف بـ«الذباب الإلكتروني»، الذي تجاوز حدود التعبير إلى التحريض والتشويه والاستخفاف باليمنيين وقضاياهم، وتزييف الوعي، وتبرير الانتهاكات. وهنا تقع مسؤولية سياسية وأخلاقية مباشرة على السعودية في اتخاذ موقف حقيقي وحازم لوقف هذه التجاوزات، لا الاكتفاء بالصمت أو التبرير، لأن ترك هذا الخطاب دون ضبط يُعد مشاركة غير مباشرة في تعميق الكراهية وتقويض أي أساس لشراكة محترمة.

إن ما يحدث اليوم لم يكن قدرًا، بل نتيجة قرارات خاطئة وتغليب للمصالح الضيقة على المصلحة الوطنية العليا. ومع ذلك، لم يعد هناك مجال للحياد أو الصمت، فالدولة لا تُبنى بالميليشيات، ولا تُحمى بالوصاية، ولا تُستعاد بالمساومات.

إن استعادة اليمن تبدأ بإقامة دولة حقيقية، دولة قانون ومؤسسات، تحتكر السلاح، وتملك قرارها السياسي، وتدير ثروتها لصالح شعبها، وتُخضع الجميع للمساءلة دون استثناء. كما تبدأ بفتح كل المسارات القانونية لمحاسبة المتورطين في العبث بالسيادة ونهب الموارد، وتعويض المتضررين، وتقديم كل من تلطخت أيديهم بالدم أو شاركوا في تقويض الدولة إلى العدالة. فاليمن لن ينهض بالخضوع، ولن يُحكم بالفوضى، بل بالقانون والحق والدولة.


بقلم د. محمد جمال عبدالناصر بن عبود