الشعب اليمني عموماً، والجنوبي على وجه الخصوص، لم يعد يطالب بشعارات رنانة أو مظاهرات موسمية، بل يطالب بحقوق أساسية وبسيطة: رواتب منتظمة تكفل له حياة كريمة، وخدمات عامة مستقرة في الكهرباء والمياه والتعليم والصحة، هذه المطالب لم تعد ترفاً سياسياً، بل ضرورة معيشية لا تحتمل التسويف أو المزايدة.
على مدى ثمان سنوات، كان المجلس الانتقالي الجنوبي مسيطراً على الأرض، وكان المواطن الجنوبي يتطلع إليه بأمل أن يكون حاملاً حقيقياً لهمومه، وقادراً على تحسين واقعه الخدمي والمعيشي، إلا أن الواقع جاء مخيباً للآمال، إذ لم تتحسن الخدمات، وانقطعت الرواتب لأشهر طويلة، وازدادت معاناة الناس بدل أن تخف.
وعندما خرج المواطنون في مظاهرات سلمية للمطالبة بحقوقهم المشروعة، تم قمع هذه الاحتجاجات، باستثناء تلك التي كان يدعى إليها لخدمة أجندات سياسية وتمكين طرف بعينه من مقدرات الشعب، بل إن المجلس وقف ضد إضرابات الأكاديميين والمعلمين، وكسرها بالقوة، رغم أنها كانت تهدف فقط إلى تحسين الرواتب وصرفها بانتظام.
لطالما روج للرأي العام أن ملف الرواتب والخدمات مسؤولية الحكومة وحدها، في حين أن المجلس الانتقالي كان شريكاً أساسياً فيها، وبعد التطورات الأخيرة، تكشفت حقائق صادمة للرأي العام، أبرزها أن المجلس كان يفرض جبايات وإتاوات شهرية ضخمة على موارد الدولة، تقدر بعشرات المليارات من الريالات اليمنية، الأمر الذي ساهم بشكل مباشر في إضعاف قدرة الحكومة على الإيفاء بالتزاماتها تجاه الرواتب والخدمات.
ومع اتضاح الصورة، أدرك كثير من أبناء الجنوب أن القضية الجنوبية، وهي قضية وطنية عادلة، قد جرى استغلالها لتحقيق مصالح شخصية وسياسية ضيقة، واليوم، يطلب من الشعب الخروج في مظاهرات جديدة للمطالبة بعودة قيادات تم حلها، وهي ذات القيادات التي اتخذت في عهدها قرارات متهورة أدت إلى سفك دماء الأبرياء، ومحاولات زعزعة الاستقرار في محافظات آمنة كحضرموت والمهرة.
إن الشعب، بعد أن تكشفت له الحقائق، لن يخرج خلف هذه الدعوات، لأن وعيه اليوم أكبر من أن يستغل مرة أخرى، من سيخرج هم فقط المستفيدون من هذا الواقع، وقلة لم تدرك بعد أن العائق الحقيقي أمام التنمية والاستقرار لم يكن غياب الشعارات، بل سوء الإدارة واستغلال النفوذ.
الشعب يريد تنمية حقيقية، ودولة مؤسسات، وحياة كريمة تشبه ما يراه في دول الجوار، لا سيما دول الخليج، التي تجمعنا بها روابط الدين والجوار والمصير المشترك، وفي مقدمتها الشقيقة الكبرى المملكة العربية السعودية، التي قدمت ولا تزال تقدم دعماً كبيراً لليمن.
ختاماً، فإن الرهان الحقيقي اليوم يجب أن يكون على بناء الدولة، وتحسين معيشة المواطن، وصرف الرواتب بانتظام، وتوفير الخدمات الأساسية، لا على حشد الشوارع ورفع الشعارات التي أثبتت السنوات الماضية أنها لا تشبع جائعاً ولا تضيء بيتاً.
د. غسان ناصر عبادي