آخر تحديث :السبت-14 مارس 2026-11:32م

سؤال لا يحتمل التأجيل: إلى أين يُقاد اليمن؟

الجمعة - 16 يناير 2026 - الساعة 01:03 م
د. الخضر عبدالله

بقلم: د. الخضر عبدالله
- ارشيف الكاتب


بقلم د. الخضر عبدالله:


كغيري من المتابعين للأحداث الجارية في بلدي اليمن الحبيب، أقف اليوم أمام واقع مؤلم يفرض نفسه بقوة، ويجعل هذا السؤال يتردد في أذهان الملايين: إلى أين نمضي بهذا الوطن؟ سؤال لم يعد ترفًا فكريًا، بل صار صرخة مواطن أنهكته المعاناة، وضاقت به سبل العيش، في بلد كان يُفترض أن يسير نحو الاستقرار لا نحو مزيد من الأزمات.

من خلال ما نلمسه على أرض الواقع، ورغم تعهدات الشقيقة السعودية بإصلاح ما تم إفساده، بحسب توصيفها، نتيجة الصراعات الداخلية وما نُسب إلى المجلس الانتقالي، إلا أن المواطن لم يرَ تغييرًا حقيقيًا في حياته اليومية. فالوعود كثيرة، لكن الحلول غائبة، خاصة في المناطق اليمنية المحررة التي كان يُفترض أن تكون نموذجًا يُحتذى به في استعادة مؤسسات الدولة وبناء الثقة مع المواطن.

يعاني المواطن في هذه المناطق من أزمات متراكمة تبدأ بـانقطاع الكهرباء لساعات طويلة، حتى أصبحت عواصم المحافظات تشبه قرى الريف المنسية، تغرق في الظلام والحر، بلا أدنى مقومات الحياة الحديثة. تلي ذلك أزمة المياه، حيث يضطر الناس لشراء المياه أو انتظارها أيامًا طويلة، في مشهد غير مقبول لعواصم مدن يفترض أنها تحت إدارة الدولة.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فـطفح المجاري في الشوارع العامة، وتكدس القمامة بين الأحياء، باتا منظرًا مألوفًا، يهدد الصحة العامة ويعكس غيابًا شبه تام لدور السلطات المحلية. هذه المشاهد لا تسيء للمدن فقط، بل تسيء لكرامة الإنسان اليمني الذي بات يشعر أنه منسي ومهمش.

اقتصاديًا، يعاني المواطن من ارتفاع الأسعار بشكل خانق، رغم الحديث عن تحسن العملة الوطنية. هذا التناقض يثير تساؤلات مشروعة: لماذا لا ينعكس هذا التحسن على حياة الناس؟ ولماذا تبقى الأسواق بلا رقابة حقيقية؟ الإجابة، كما يعرف الجميع، تكمن في الفساد وغياب المحاسبة، وترك قوت المواطن رهينة لجشع التجار.

أما الأمن، فحالته لا تقل خطورة، إذ يشهد انفلاتًا واضحًا، أصبح فيه المظلوم مجرمًا، والمجرم مظلومًا، وتضيع الحقوق بين تعدد الجهات الأمنية والنفوذ والسلاح. ويأتي القضاء ليزيد من شعور الإحباط، عبر المماطلة في قضايا الناس، وتأخير الفصل فيها، ما أفقد المواطن ثقته بمؤسسة كان يفترض أن تكون ملاذه الأخير.

وتبقى القضية الكبرى، قضية الرواتب، التي تمثل شريان الحياة لآلاف الأسر. موظفون مدنيون انقطعت رواتبهم منذ ثلاثة أو أربعة أشهر، وآخرون يتقاضون رواتب متدنية لا تكفي لتغطية أبسط احتياجاتهم، في ظل ازدواج وظيفي واضح، تُصرف فيه الرواتب لغير المستحقين، بينما يُحرم منها من يعتمد عليها مصدرًا وحيدًا للعيش.

ومؤخرًا، تفاقمت أزمة غاز الطبخ، التي أثقلت كاهل المواطن وزادت من معاناته اليومية، فارتفعت الأسعار، وازدادت الطوابير، وأصبح تأمين أسطوانة غاز هاجسًا يوميًا للأسر، في بلد يعاني أصلًا من ضيق ذات اليد.

أمام هذا الواقع القاسي، أقولها وبكل شفافية: هل تقدير الشقيقة السعودية أن تحل هذه القضايا في بلدي الحبيب؟ أم أن المشكلة أعمق من الدعم الخارجي؟ الحقيقة أن أي دعم، مهما كان حجمه، لن يصنع فارقًا ما لم توجد إرادة وطنية صادقة، وسلطة موحدة، ومحاسبة حقيقية، وشعور بالمسؤولية تجاه المواطن.

إن ما يعيشه اليمن اليوم ليس مجرد أزمات خدمات، بل أزمة دولة وغياب رؤية. وإذا استمر هذا الحال، فإن الخطر لا يهدد معيشة الناس فقط، بل يهدد مستقبل الوطن بأكمله. ويبقى السؤال مفتوحًا، بانتظار أفعال حقيقية تعيد لليمن دولته، وللمواطن كرامته، وللوطن أمله المفقود.