آخر تحديث :الإثنين-23 فبراير 2026-02:47ص

انفصال راجستان ..

الجمعة - 16 يناير 2026 - الساعة 02:34 م
حسين سالم العولقي

بقلم: حسين سالم العولقي
- ارشيف الكاتب



اصطحبني مدير عملي وهو باكستاني في رحلة قصيرة تقديراً لجهودي وإخلاصي بالعمل عام 2009م، وقد خيرني بين زيارة الهند أو باكستان، وكلاهما دولة نووية وبينهم شوي "جنجال" على حدود "كشمير"، وجنجال تعني العراك أو المشاكل بلغة الأوردو وهي اللغة التي يتحدثها أغلب سكان الهند وباكستان وبنغلاديش. ولأني من محدودي الدخل والرحلة مجانية "حدأ ودأ " قبلت على الفور! وهي مكافأة نهاية السنة بعد تحقيق أرباح جيدة في ذلك العام. وتفادياً لمشاعر صديقي الباكستاني تجاه بلدة الشقيق، أخبرته أنني من عشاق الدراما الهندية وأفلام " أميتاب باتشان" والجميلة "كارينا كابور" وقد أكون ممتناً له إن ذهبنا إلى نيودلهي أو راجستان أو حتى "كيرالا"،وهو إقليم جميل لكن أهله مشهورون بالقرقرة وكثرة الهدار، وأنا مش ناقص وجع راس!


توجهنا إلى نيودلهي ومنها إلى "راجستان"، ثاني أكبر ولاية بالهند وهو إقليم هندوسي يبعد عن العاصمة حوالي 400 كيلومتر بالسيارة. والغرض كان لمرافقة رجل آخر يعرفه صديقي ويعمل كمرشد سياحي يجيد العربية قليلا" . كانت المدينة تعج بالفوضى الاحتجاجات تتوسع و الطرقات شبة مغلقة ومظاهرات عارمة احداها متجهة نحونا تقودها امرأة متينة البنية، ترتدي شال أحمر ناري، وفي منتصف جبهتها نقطة حمراء وتهتف بصوت مزلزل: "راهاما بنجا... شاكوما لانجا!"، "كاروما لاسي... باكورا عرسي!" وهم يرددون خلفها بحماس منقطع النظير. قلت في نفسي: "المنحوس منحوس ولو ذهب للهندوس!"


وبالطبع أنا لا أفهم لغتهم، فالتفت إلى صديقي وهمست له بقلق: "ايش المشكلة؟ مظاهرة سياسية؟ ام انقلاب عسكري ؟؟"ماذا يحدث هنا !


ابتسم بهدوء ونادى على المرشد السياحي الذي كان يقف بجانبنا، رجل هندي نحيل في الخمسينيات من عمره، يرتدي عمامة ضخمة زعفرانية اللون وله شارب كثيف نهاية مدببة كذيل العقرب يشبه شوارب الممثلين في أفلام الويسترن القديمة! قال المرشد بلهجة ثقيلة وهو يشير بيده نحو الحشد: "لا تقلق يا سيدي، هنا ثلاث مظاهرات في مظاهرة واحدة!"


حدقنا فيه باستغراب، فأكمل: "المجموعة الأولى التي تقودها السيدة تحتج ضد زواج الأطفال والقاصرين وهذة عادات وتقاليد قديمة تسمى 'بال فيفاه' بعض القرى النائية في راجستان لا يزالون يمارسونه. وهذه السيدة،" وأشار إلى المرأة المتينة التي كانت تقود المظاهرة، "اسمها 'سونيتا ديفي'، وهي ناشطة حقوقية شهيرة. كانت هي نفسها ضحية لهذا التقليد، تزوجت وهي في السابعة من عمرها!" وفهمت منة ان "سعيدة مش راضية بسعيد" وجرجرته بالمحاكم حتى طلقها وهي تناضل من اجل حقوق القاصرات …


والمجموعة الثانية هناك،" وأشار إلى مجموعة من الرجال يرتدون عمامات صفراء، "يحتجون ضد تهميش ولاية راجستان من قبل الحكومة المركزية في نيودلهي، والمجموعة الثالثة،" وأشار إلى شباب يحملون لافتات باللغة الإنجليزية، "يطالبون بالاستقلال الذاتي لراجستان!"


قلت بدهشة: "استقلال ذاتي؟ يعني مثل ما عندنا في جنوب اليمن! هز المرشد راسة كثيرا وقال نعم "سمسم يمن " تعال معي وسأريك شيئاً مثيراً


اقتربنا من الحشد بحذر، لاحظت شيئاً غريباً مجموعتان منفصلتان من المتظاهرين! المجموعة الأولى تحمل أعلاماً ملونة بالأحمر والأصفر والأخضر، بينما المجموعة الثانية وهي الأكبر بكثير تحمل العلم الهندي الوطني بألوانه البرتقالي والأبيض والأخضر!


قلت للمرشد: "هذا غريب! لماذا يحمل المحتجون العلم الوطني إذا كانوا يحتجون ضد الحكومة؟"


ابتسم المرشد بحكمة: "لأنهم ليسوا ضد الهند، بل ضد الظلم داخل الهند! هناك فرق كبير."


توقف قليلاً ثم أضاف: "تخيل يا سيدي، راجستان كانت مملكة مستقلة لأكثر من ألف سنة، انضمت طوعاً للهند عام 1949م بعد الاستقلال عن بريطانيا. المهراجا آنذاك 'سواي مان سينغ' كان يؤمن بالوحدة الهندية، وكان يحلم بهند قوية موحدة تنافس العالم."


سألته بفضول: "وماذا حدث؟


قال بنبرة حزينة: "ما حدث هو أن بعض السياسيين الفاسدين في نيودلهي ومن راجستان نفسها استغلوا الوحدة لمصالحهم الشخصية، وخلقوا شعوراً بالتهميش لم يكن موجوداً في البداية


قلت له وماذا تريد انت!



قال بحدة: " أنا أؤمن بالهند الموحدة. راجستان جزء لا يتجزأ من الهند. لكن المشكلة أن بعض السياسيين سواء في نيودلهي أو هنا في جايبور يستخدمون خطاب 'التهميش' و'الظلم' لكسب الأصوات وتحقيق مصالحهم الشخصية. معظم الشعب الراجستاني لا يريد الانفصال، بل يريد فقط العدالة داخل الهند الموحدة


وأضاف وهو يمضغ أوراق التمبل ويبصق يمين وشمال راجستان تحصل على نصيبها العادل من الميزانية الاتحادية، بل أحياناً أكثر من نصيبها! والمشكلة ليست في الحكومة المركزية، المشكلة في الفساد المحلي."


تابع: "عندنا في راجستان سياسيون محليون يسرقون أموال التنمية، ثم يلومون نيودلهي! يبنون قصوراً فاخرة لأنفسهم ويتركون القرى بدون ماء وكهرباء، ثم يقولون للناس: 'نيودلهي تهمشنا! الناس هنا طيبون وبسطاء، يصدقون ما يقوله لهم الساسة معظم المشاكل التي نعاني منها ليست بسبب الوحدة، بل بسبب الفساد والجهل."


ثم أشار نحو المتظاهرين: "انظروا لهؤلاء الشباب الذين يحملون أعلام راجبوتانا القديمة ويطالبون بالانفصال. معظمهم لا يعرف شيئاً عن التاريخ الحقيقي! يظنون أن راجستان كانت دولة واحدة، بينما الحقيقة أنها كانت عشرات الممالك الصغيرة المتحاربة!"


وتابع بحماس: "قبل الوحدة مع الهند، كانت راجستان ممزقة. مملكة جايبور تحارب مملكة جودبور، ومملكة أودايبور تتآمر على مملكة بيكانير. الفقر كان مستشرياً، والجهل كان سائداً، والحروب لا تنتهي عندما جاءت الوحدة الهندية، ماذا حدث؟ توقفت الحروب الداخلية، بُنيت المدارس والمستشفيات، جاءت الكهرباء والطرق، وأصبح أطفال راجستان يذهبون للجامعات في دلهي ومومباي ويعودون أطباء ومهندسين."


"لكن البعض ينسون هذا كله! يركزون على المشاكل الصغيرة وينسون الإنجازات الكبيرة. نعم، عندنا فساد، نعم عندنا مشاكل، لكن الحل ليس تدمير الوحدة، بل محاربة الفساد


قلت له: "هذا بالضبط ما أحاول أن أقوله لأصدقائي في الجنوب! الوحدة اليمنية جلبت فوائد كثيرة: حرية ، سوق موحد، قوة سياسية أكبر في المنطقة. لكن البعض يركزون فقط على السلبيات!


في عام 1971، انفصلت بنغلاديش عن باكستان بعد حرب دموية. هل تعرفون ماذا حدث؟"


"قُتل مليون إنسان، واغتُصبت مئات الآلاف من النساء، وشُرّد الملايين. واليوم، بعد أكثر من 30 سنة، باكستان وبنغلاديش لا تزالان فقيرتين ضعيفتين، بينما الهند التي حافظت على وحدتها رغم كل التحديات أصبحت قوة عالمية!"


جاء السياسيون وأقنعوا الناس أن المشكلة هي 'هيمنة الغرب'. قالوا: 'انفصلوا وستصبحون أغنى!' انفصلوا، ثم ماذا؟ أصبحت بنغلاديش من أفقر دول العالم! لأنهم فقدوا السوق الباكستاني، فقدوا الحماية العسكرية، وبدأت صراعات داخلية جديدة وفي اليمن نفس الخطر! بعض الناس في الجنوب يعتقدون أن الانفصال سيحل كل المشاكل. يقولون: 'عندنا النفط في حضرموت وشبوة، عندنا ميناء عدن، سنصبح سنغافورة الشرق الأوسط الوحدة ليست مثالية، لكنها أفضل بكثير من الانفصال. كل بلد موحد عنده مشاكل، لكن الحل هو الإصلاح لا التفتيت


معظم مشاعر التهميش مبالغ فيها ومستغلة سياسياً. نعم، قد يكون هناك ظلم حقيقي أحياناً، لكن السياسيين يضخمونه لخدمة أجنداتهم. الفساد المحلي عادة أخطر من أي "هيمنة مركزية" مزعومة الهوية الثقافية لا تتعارض مع الوحدة السياسية. يمكنك أن تكون فخوراً بإقليمك وفخوراً ببلدك في نفس الوقت


الحوار الصادق والإصلاح الحقيقي هما الحل. لا الإنكار ولا الانفصال، بل الاعتراف بالمشاكل وحلها بشجاعة


عدت من رحلتي إلى راجستان وأنا أكثر إيماناً من أي وقت مضى بأهمية الوحدة اليمنية. نعم، عندنا مشاكل. نعم، هناك فساد وسوء إدارة. نعم، بعض الجنوبيين يشعرون بالظلم.


لكن الحل ليس تدمير اليمن، بل إصلاحه. الحل ليس العودة لدولتين ضعيفتين متناحرتين، بل بناء يمن واحد قوي عادل


مطالبكم بالعدالة مشروعة ومفهومة. لكن لا تدعوا السياسيين الانتهازيين يستغلون مشاعركم


إلى كل اليمنيين: الوحدة اليمنية عمرها قصير جداً لبناء دولة. المانيا احتاجت 50 سنة بعد الوحدة لتصبح قوية. أمريكا احتاجت 100 سنة وحرب أهلية دموية. لا تستعجلوا الحكم على الوحدة. أعطوها فرصة حقيقية. حاربوا الفساد، حسّنوا الإدارة، طوّروا الاقتصاد.


إخواني في الجنوب، أنا أعرف أن بعضكم غاضب الآن. بعضكم يشعر بخيبة أمل من حل المجلس الانتقالي. بعضكم يقول: "خسرنا كل شيء!"


لكن دعوني أقول لكم بصراحة: لم تخسروا شيئاً! بالعكس، كسبتم فرصة لتكونوا شركاء حقيقيين في بناء يمن جديد.


حسين سالم العولقي