آخر تحديث :الخميس-05 فبراير 2026-04:48م

السيادة أولًا: قبل أي دعم تنموي لماذا يجب أن تعيد اليمن بناء دولتِها قبل أي مشاريع تنموية

السبت - 17 يناير 2026 - الساعة 11:31 ص
جلال جميل محسن

بقلم: جلال جميل محسن
- ارشيف الكاتب


بقلم: جلال جميل محسن


إن أي دعم تنموي أو محاولة لإعادة بناء البنية التحتية المنهارة في اليمن لن تُجدي نفعًا على المدى القريب، ما دام يُصبّ في وعاء دولة ممزقة وفاقدة للقرار. فالحقيقة التي يجب أن تُقال صراحة هي أن اليمن لا يحتاج اليوم إلى منح مالية بقدر حاجته إلى استعادة كيان الدولة وسلطتها المركزية وسيادتها المسلوبة.


فمنذ اندلاع الحرب عام 2015، وما رافقها من تدخلات للتحالف العربي، تعرّضت الدولة اليمنية لعملية تفكيك منظّم. لم يقتصر الأمر على إضعاف مؤسساتها، بل وصل إلى حد مصادرة قرارها السيادي، لتغدو دولة مسلوبة الإرادة في أدق شؤونها الداخلية. كما أن العبث بـ«إعدادات الدولة» السياسية والدستورية أفرز واقعًا مشوّهًا يستحيل من خلاله بناء مؤسسات حقيقية أو حكم مستقر.


وقد تجلّى هذا الخلل بوضوح في إنشاء المجلس الرئاسي المكوّن من ثمانية أعضاء، والذي مثّل ذروة التخبط السياسي؛ إذ جُمعت تحت مظلة واحدة مشاريع متناقضة وأجندات متباينة، في مخالفة صريحة لروح الدستور. هذا التعدد لم ينتج توافقًا، بل انقسامًا داخل رأس السلطة، انعكس على الأرض في صورة ألوية عسكرية متعددة الولاءات، حوّلت البلاد إلى ساحة فوضى بلا قيادة موحّدة.


إن الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب شجاعة في الطرح وخطوات جذرية تسبق أي حديث عن التنمية. فأولًا، لا بد من إعادة بناء المركزية السيادية ومنظومة الهيكل السياسي تحت سلطة واحدة قوية، تستمد شرعيتها من الدستور، وتمتلك وحدها حق اتخاذ القرار السيادي دون إملاءات خارجية.


كما أن كفّ التدخل في الشؤون الداخلية هو الشرط الأساسي لتمكين الدولة من بسط نفوذها، وجمع شتات كل المكونات السياسية المتحاربة في حوار وطني شامل يعيد كل الكيانات والنخب إلى طاولة واحدة. حوار وطني خالص، يهدف إلى الاتفاق على رؤية يمنية موحّدة ترى اليمن دولة للجميع، وتضع مصلحة الوطن فوق أي مشاريع فئوية أو ارتباطات خارجية.


وفي الختام، حين يمتلك اليمنيون قرارهم، وتجتمع قواهم تحت مظلة دولة واحدة قوية، ستدور عجلة التنمية تلقائيًا وبصورة مستدامة. عندها فقط سنحسن الاستفادة من أي دعم تنموي خارجي. أما اليوم، فإن الاستثمار الحقيقي يجب أن يكون في استعادة الدولة؛ وبدون ذلك سيبقى أي دعم خارجي مجرد مسكنات مؤقتة في جسد منهك يبحث عن وطن ضائع وشعب ممزق.