آخر تحديث :السبت-14 مارس 2026-11:32م

المملكة تجمع الجنوبيين في فرصة أخيرة لوحدة الصف الجنوبي

الأحد - 18 يناير 2026 - الساعة 07:04 م
د. الخضر عبدالله

بقلم: د. الخضر عبدالله
- ارشيف الكاتب


في مشهدٍ عصيبٍ امتد لسنوات طويلة، انعكس سلبًا على حياة المواطنين، عاش الناس في الجنوب، كما في سائر أنحاء اليمن، معاناة قاسية تحت وطأة الصراعات الداخلية، وتداعيات الانقسام، وغياب الاستقرار. سنوات من الألم أثقلت كاهل المواطن، واستنزفت قدرته على الاحتمال، وحولت تفاصيل الحياة اليومية إلى تحديات مرهقة، في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمية، وانحسار الأمل بمستقبل أكثر أمنًا وكرامة.


واليوم، وفي خضم هذا الواقع الصعب، تتجه أنظار الناس نحو لحظة مفصلية من تاريخ الجنوب، مع انعقاد الحوار الجنوبي–الجنوبي في العاصمة السعودية الرياض. هذه اللحظة لا ينظر إليها كثيرون بوصفها حدثًا سياسيًا عابرًا، بل كفرصة حقيقية لا تعوض لإعادة ترتيب الصف الجنوبي، وتجاوز حالة التشظي والانقسامات الداخلية التي لم تجلب للناس، جنوبًا وشمالًا، سوى مزيد من المعاناة الطويلة، والخسائر المتراكمة على المستويات كافة.


لقد أثبتت التجربة أن الخلافات الداخلية لم تكن يومًا طريقًا لتحقيق الأهداف، ولا وسيلة لحماية القضايا العادلة، بل كانت سببًا مباشرًا في إضعاف الموقف العام، وتشتيت الجهود، وإطالة أمد الأزمات. فالانقسام أرهق المجتمع، وعمّق معاناة المواطنين، وفتح الباب أمام تحديات أكبر، دفع المواطن البسيط ثمنها من أمنه ومعيشته واستقراره.


ومن هذا المنطلق، لا يمكن اعتبار الحوار الجنوبي–الجنوبي ترفًا سياسيًا، ولا خيارًا مؤجلًا يمكن الاستغناء عنه، بل هو ضرورة ملحّة تفرضها طبيعة المرحلة وتعقيداتها. إنها ضرورة وطنية وأخلاقية تفرض على الجميع الجلوس إلى طاولة واحدة، وتغليب لغة العقل والحكمة، والبحث الجاد عن مساحات مشتركة، بدل الاستمرار في صراعات أنهكت الجميع دون استثناء.


إن القضية الجنوبية أكبر من الخلافات الداخلية، وأعمق من الاصطفافات السياسية، وأسمى من المصالح الآنية. فهي قضية شعب عانى طويلًا من الإقصاء والتهميش، وتحمل أعباء جسيمة في سبيل كرامته وحقه في مستقبل أفضل. ولا يجوز أن تُختزل هذه القضية في صراعات داخلية أو حسابات ضيقة، بينما يتطلع الناس إلى حل عادل، ورؤية موحدة، ومسار واضح يعيد للقضية بريقها ومكانتها.


والنجاح الحقيقي لهذا الحوار لا ينبغي أن يُحسب لصالح طرف دون آخر، بل يجب أن يكون انتصارًا للجنوب بكل مكوناته، وخطوة على طريق الاستقرار، وبناء الثقة، وصياغة مستقبل أكثر تماسكًا. فبالحوار وحده يمكن الانتقال من حالة التنافر إلى التفاهم، ومن الإقصاء إلى الشراكة، ومن الفوضى إلى التنظيم والمسؤولية.


واليوم، فإن الناس في الجنوب، الذين أنهكهم التعب، وأرهقتهم سنوات المعاناة وعدم الاستقرار، يعوّلون — بعد الله — على الحكماء الذين يمثلون القضية الجنوبية في هذا الحوار. يعوّلون على وعيهم، وعلى شعورهم بثقل الأمانة الملقاة على عاتقهم، وعلى إدراكهم أن التاريخ لا يرحم من يضيّع الفرص، وأن مصير قضية شعب بأكمله يتطلب شجاعة القرار، وصدق النية، والانحياز لمصلحة الوطن فوق كل اعتبار.