آخر تحديث :الإثنين-19 يناير 2026-02:09م

مؤتمر الحوار الجنوبي في الرياض.. قراءة في شروط النجاح

الإثنين - 19 يناير 2026 - الساعة 11:50 ص
محمد أحمد العولقي

بقلم: محمد أحمد العولقي
- ارشيف الكاتب


بقلم: محمد أحمد العولقي


في ظل المنعطفات التاريخية التي يمر بها الجنوب اليوم، يبرز "مؤتمر الحوار الجنوبي في الرياض" كضرورة ملحة لا غنى عنها لرسم معالم المستقبل. لكن التجربة السياسية علمتنا أن العبرة ليست في انعقاد الحوار فحسب، بل في مدى قدرته على التحول إلى مشروع حقيقي لبناء دولة المؤسسات.




أيها الجنوبي: يفضّل ألا تنتقد، وألا تعطي رأياً يتعارض مع السلطة المسيطرة، فمن المرجح إن فعلت أن تُتّهم بواحدة من التهم الجاهزة التي تتحدد تفاصيلها بالسؤال الشهير: (من وين الأخ؟ وما هو توجهك؟). باختصار: عندما يصبح النقد أو الاختلاف موضع اتهام، يصبح الحوار بلا معنى.




تجاوز عقلية الصراع الصفري


المعضلة الحقيقية التي تلاحق الحوارات السياسية في منطقتنا هي غياب ثقافة القبول بالآخر. نحن بحاجة ماسة لاستبدال لغة التشكيك والاتهامات الجاهزة بلغة الشراكة الوطنية؛ فحين يصبح الرأي المخالف مدعاة للاستقصاء عن الهوية أو الولاء، يفقد الحوار روحه. قد يبدو هذا الكلام تشاؤماً، لكن محاولات الحوار الجارية تظل حتى اللحظة "شكلية" ما لم تخرج من إطار التزيين بالمشاعر، إلى إطار العمل السياسي المسؤول، حتى لا نقع في فخ "الشرعية الزائفة".




مرتكزات النجاح الحقيقية


لا يمكن لأي حوار أن يؤتي ثماره ما لم يستند إلى ركائز مؤسسية صلبة:


* التعددية السياسية الشاملة: إن مشاركة كافة الأحزاب والقوى السياسية الجنوبية —سواء كانت تحت مظلة الشرعية أو في خندق المعارضة— هي الضمانة الوحيدة لتمثيل وطني حقيقي.


* وضوح الأهداف والمسارات: الحوار الناجح هو الذي يحدد ملفاته بوضوح؛ من شكل الدولة القادمة إلى آليات العدالة الانتقالية، بعيداً عن منطق المحاصصة الضيقة أو الولاءات العسكرية الصرفة.




"توصيات" للنخبة.. و"قرارات" للبندقية


المفارقة المؤلمة تكمن في تصنيف المخرجات؛ فبينما تُعتبر تفاهمات القادة العسكريين وفصائلهم "قرارات ملزمة" تُنفذ على الأرض، يُراد لمؤتمر الحوار الجنوبي في الرياض الذي يُفترض أن يمثل إرادة الشعب والقوى السياسية أن يصدر مجرد "توصيات".




بمعنى آخر: السلطة الجديدة هي من يقرر الأخذ بها أو رميها، وهذا يحول الحوار إلى مجرد "ديكور" لتقديم شرعية شكلية أمام المجتمع الدولي. هذا السيناريو يذكرنا بتجارب "الجبهة القومية" (الحزب الاشتراكي)، التي انتهجت سياسة الحزب الواحد واستخدمت الأطر السياسية لتغطية انفراد طرف واحد بالقرار.




خاتمة


إن الجنوب بحاجة ماسة اليوم للانتقال من دائرة "الولاءات والمناطقية" إلى فضاء "المواطنة والكفاءة" وفصل السلطات. مؤتمر الحوار الذي ننشده هو الذي يؤسس لجنوب يتسع لكل أبنائه دون استثناء، حيث تُحترم فيه الحريات وتُصان الحقوق، لضمان أن يكون مؤتمر الرياض منتجاً لقرارات تعبر عن إرادة الجميع وتؤسس لاستقرار دائم.