بقلم - فضل القطيبي
في تحولٍ سياسي لافت وغير مسبوق، نجحت المملكة العربية السعودية في وضع القضية الجنوبية تحت مجهر الاهتمام الإقليمي والدولي، ناقلةً إياها من خانة الصراع المحلي أو الشأن الداخلي، إلى استحقاق سياسي معترف به على الساحة الدولية، ضمن مقاربة استراتيجية تعكس ثقل المملكة ودورها المحوري في إدارة الملفات المعقدة بالمنطقة.
لسنوات طويلة، ظلت القضية الجنوبية محصورة في إطارٍ ضيق، تُقدَّم للعالم باعتبارها أزمة داخلية أو تداعيات نزاع سياسي، دون الالتفات إلى جذورها التاريخية، وخصوصيتها السياسية، وتطلعات شعب الجنوب المشروعة. غير أن التحرك السعودي الأخير أعاد تصحيح هذا المسار، وفتح نافذة جديدة للتعامل مع القضية بوصفها ملفًا سياسيًا قائمًا بذاته، لا يمكن تجاوزه في أي تسوية شاملة.
إن ما يميز المقاربة السعودية هو الهدوء الاستراتيجي والابتعاد عن الشعارات، مقابل العمل على خلق واقع سياسي جديد، يُعيد تعريف القضية الجنوبية بلغة المصالح الدولية والاستقرار الإقليمي. وقد أسهم ذلك في إدخال القضية إلى دوائر النقاش السياسي والدبلوماسي، بعد أن كانت مغيبة أو مُختزلة في توصيفات غير منصفة.
كما أن هذا التحول لم يكن وليد اللحظة، بل جاء نتيجة فهم عميق لطبيعة الجنوب، وتركيبته السياسية والاجتماعية، وأهمية استقراره كجزء لا يتجزأ من أمن المنطقة. فالمملكة، من موقعها القيادي، تدرك أن أي حل مستدام في اليمن لا يمكن أن يتحقق دون معالجة عادلة ومنصفة للقضية الجنوبية، بعيدًا عن الإقصاء أو التهميش.
ويُحسب للمملكة العربية السعودية أنها تعاملت مع هذا الملف بحسٍ سياسي عالٍ، بعيدًا عن الضغوط الإعلامية أو الحسابات الضيقة، واضعةً مصلحة الاستقرار في مقدمة أولوياتها، ومفسحةً المجال أمام الجنوب ليُعبّر عن قضيته في إطارٍ سياسي منظم، يحظى بالاهتمام والاعتراف.
إن تدويل القضية الجنوبية لا يعني تدوير الأزمة، بل يمثل خطوة ضرورية نحو حل واقعي يعالج جذور الصراع، ويمنح الأطراف المعنية فرصة للانخراط في مسار سياسي مسؤول، يراعي تطلعات الشعوب ويحفظ أمن المنطقة.
وفي ظل هذا الدور السعودي المتقدم، تبدو القضية الجنوبية اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى الخروج من دائرة التجاهل، والدخول في مرحلة جديدة عنوانها الاعتراف السياسي والبحث الجاد عن حلول عادلة، تضع حدًا لمعاناة طويلة، وتفتح آفاقًا لمستقبل أكثر استقرارًا.