آخر تحديث :الأحد-22 مارس 2026-12:14ص

اصلاحا أم تخريبا ؟

الإثنين - 19 يناير 2026 - الساعة 01:17 م
د. محمد جمال عبدالناصر بن عبود

بقلم: د. محمد جمال عبدالناصر بن عبود
- ارشيف الكاتب



لا يزال التحالف العربي ماضيًا في نهجه القائم على إعادة تدوير النفايات السياسية نفسها، تلك التي فشلت فشلًا ذريعًا في إدارة اليمن وأزماته المتراكمة منذ اندلاع الحرب عام 2015، بل إن كثيرًا من هذه الشخصيات كوّنت ثروات طائلة من المال العام ومن اقتصاد الحرب، بينما كان اليمنيون يزدادون فقرًا وانهيارًا.

وتتجلى هذه السياسة بوضوح في استمرار الاعتماد على الوجوه نفسها داخل السلطة التنفيذية، حيث جاء تعيين شائع الزنداني رئيسًا للوزراء في 2026 ضمن هذا النهج ذاته، لا كخطوة إصلاح كما يُروَّج. فقد شغل الزنداني مناصب وزارية وإدارية منذ منتصف العقد الثاني من القرن الحالي، وارتبط اسمه بالقرارات الحكومية الكبرى خلال السنوات الماضية، لكنه لم يحقق تحسنًا ملموسًا في الواقع الاقتصادي أو الخدماتي أو في حماية سيادة الدولة.

الحالات التي تؤكد فشل هذا النهج كثيرة، منها:

تعطيل عودة الحكومة إلى الداخل منذ عام 2015، وبقاء القرار السياسي رهينة العواصم الخارجية، وتحديدًا الرياض، مع تحميل اليمنيين لاحقًا مسؤولية نتائج لم يكونوا طرفًا في صنعها.

تمكين التشكيلات المسلحة الخارجة عن إطار الدولة، وعلى رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي الذي أُعلن تأسيسه في 11 مايو/أيار 2017، بدعم إماراتي مباشر، وسط صمت ومباركة التحالف، رغم ما ترتب على ذلك من تقويض للشرعية.

استخدام القوة العسكرية ضد الجيش اليمني في السنوات الأولى للحرب، بما في ذلك الغارات الجوية وطائرات الأباتشي، وأسهمت في إضعاف الشرعية وتضخيم نفوذ خصومها، وتحويل المأساة إلى مادة للسخرية على وسائل التواصل الاجتماعي.

السيطرة الإماراتية على عدن والجزر اليمنية، وعلى رأسها سقطرى وميون، منذ 2016 – 2019، وتحويلها إلى مناطق نفوذ عسكري وأمني، دون أي موقف حازم من الحكومة أو التحالف.

وعندما تفجّرت الخلافات داخل التحالف، تغيّر الخطاب الإعلامي فجأة، وبدأت المنصات نفسها التي صمتت عن الانتهاكات تتحدث عنها، وتعيد إنتاج ملفات قديمة كان أحرار اليمن قد كشفوها منذ سنوات، دون أن تجد حينها أي آذان صاغية. لم يكن هذا التحول نابعًا من حرص على اليمن، بل من تصفية حسابات بين الحلفاء.

الرجوع عن الخطأ فضيلة، لكن إعادة تدوير الأخطاء جريمة وطنية. فلا يمكن إصلاح بلد مدمّر بالعقلية ذاتها التي أسهمت في تدميره. ولا يمكن الحديث عن سيادة أو دولة في ظل استمرار الاعتماد على شخصيات بلا قرار مستقل، تُنفذ ما يُملى عليها، وتُقدّم كـ«حلول» وهي في الواقع جزء أصيل من المشكلة.

ويبرز هنا سؤال مشروع: هل أدمنت بعض دوائر القرار في السعودية احتضان المرتزقة السياسيين، كما فعلت الإمارات، ثم عند فشلهم تُطلق أذرعها الإعلامية لشتم اليمنيين، والطعن في وطنيتهم، بل وفي أعراضهم أحيانًا؟ وهل أصبح من يرفض إذلال اليمن أو التفريط بمصالحه يُصنّف خائنًا؟

اليمن لا يفتقر إلى الرجال المخلصين، لكنه يعاني من إقصائهم المتعمّد. فكل من يضع مصلحة اليمن فوق الإملاءات الخارجية يُستبعد، بينما يُكافأ من يقبل بالوصاية. ويُراد لليمنيين أن ينسوا أن ما أُنفق باسم الدعم لا يرقى إلى حجم الخسائر، ولا يعفي من مسؤولية تعطيل الدولة، ولا يبرر استمرار العبث.

اليمنيون لن يدخلوا حربًا ليست حربهم، ولن يرفعوا السلاح في وجه بعضهم البعض تنفيذًا لأجندات لا تخدم إلا مموليها. وعلى أنصار الله بدورهم مغادرة منطق الماضي، والتوجه نحو شراكة وطنية حقيقية مع القوى اليمنية المخلصة، لأن التاريخ لا يرحم، ولن يعفي أي طرف خان اليمن، مهما كان شعاره أو ادعاؤه.


د. محمد جمال عبدالناصر بن عبود