منذ البدايات الأولى للدفاع عن القضية الجنوبية، كنّا في ردفان مجموعة من الشباب، ومعنا عدد من الشخصيات الاجتماعية والأكاديمية، في مقدمة الصفوف، دون منافع شخصية أو حسابات ضيقة، مدفوعين بالإيمان بعدالة القضية وحق الجنوب وأبنائه في الكرامة والحرية.
ومع ذلك وجدنا أنفسنا عرضة للتهميش والإقصاء والتعسف، بل والاعتقال والملاحقة، فقط لأننا تمسكنا بمواقفنا وحقنا في التعبير والمطالبة المشروعة.
واليوم ومع الدعوة إلى عقد الحوار الجنوبي–الجنوبي المزمع عقده في العاصمة السعودية الرياض، يتجدد الأمل لدى كثير من أبناء الجنوب بأن يكون هذا الحوار محطة حقيقية للإنصاف، لا مجرد لقاء سياسي عابر. نأمل أن يكون حوارًا جامعًا، يجمع المكونات والقوى الجنوبية بروح المسؤولية، ويخرج بحلول عادلة لقضية الجنوب وأبنائه، بعيدًا عن الإقصاء وإعادة إنتاج الأخطاء ذاتها.
إن أكثر ما نرجوه أن يحظى باهتمام جاد في هذا الحوار هو وضع الشباب الجنوبي، ذلك الجيل الذي كان في مقدمة الصفوف منذ انطلاقة الحراك الجنوبي عام 2007، وشارك بفاعلية في الفعاليات السلمية، ودفع ثمن مواقفه من حريته ومستقبله، ولا يزال حتى اليوم يعاني من البطالة والتهميش وغياب الفرص.
وأنا واحد من هؤلاء الشباب؛ خريج جامعي، عاطل عن العمل، ضمن آلاف الشباب الجنوبيين الذين تعرضوا للإقصاء والتضييق، وكان آخر فصول ذلك ما حدث عقب حرب 2015، حيث تم احتجازنا والتضييق علينا، وتعرضنا لمضايقات وانتهاكات موثقة، فقط لأننا حملنا رأيًا مختلفًا وموقفًا مستقلًا، وطالبنا بحقوقنا المشروعة والعيش الكريم.
أنتمي إلى ردفان، هذه الأرض التي كانت دومًا حاضرة في مسيرة النضال، وأعمل مراسلًا صحفيًا مستقلًا، حاولت وما زلت أن أنقل الحقيقة كما هي، رغم الصعوبات والتحديات. ومع ذلك، لا نزال نبحث عن خيط أمل يخرجنا من هذا الواقع المحبط، أملٍ في وطنٍ يعترف بتضحيات أبنائه ولا يعاقبهم عليها.
ومن هذا المنطلق، نطرح تساؤلاتنا لا بدافع التشكيك، بل بدافع الحرص والمسؤولية: هل سيكون هذا الحوار منصفًا وشاملًا؟ هل سيمنح الشباب حقهم الحقيقي في المشاركة وصياغة القرار؟ هل ستكون لنا كلمة جادة لطرح قضايانا ومعاناتنا، أم سنبقى خارج القاعة كما كنا خارج حسابات المرحلة السابقة؟
لقد أثبتت التجارب السابقة أن دور الشباب الجنوبي الفاعل والمستقل ظل مغيّبًا، بينما طغت الهيمنة السياسية القائمة على منطق الولاء الضيق، لا على الكفاءة ولا على عدالة القضية، وهو ما أدى إلى تعميق الفجوة بين القيادات والقاعدة الشبابية التي كانت ولا تزال عماد أي مشروع وطني حقيقي.
إن أي حوار لا ينصف الشباب، ولا يعترف بتضحياتهم، ولا يفتح لهم باب الأمل في العمل والكرامة والمشاركة، سيظل حوارًا ناقصًا، مهما كانت عناوينه كبيرة.
نحن لا نطلب المستحيل، ولا نبحث عن امتيازات خاصة، بل نطالب بحقنا الطبيعي في أن نكون جزءًا من الحل، شركاء في صياغة المستقبل، لا ضحايا دائمين لمرحلة لا تنتهي.
رائد الغزالي