آخر تحديث :الأحد-22 مارس 2026-12:14ص

العدالة المؤجلة وشراكة الصمت

الأربعاء - 21 يناير 2026 - الساعة 04:28 م
د. محمد جمال عبدالناصر بن عبود

بقلم: د. محمد جمال عبدالناصر بن عبود
- ارشيف الكاتب


إن بدايات التصحيح والنهوض الحقيقي لا يمكن أن تتحقق إلا بردّ المظالم، وإنصاف الضحايا، وإعطاء كل ذي حقٍ حقه. فقد سُفكت دماء خارج إطار القانون، وتعرّض آلاف للاحتجاز التعسفي، والتعذيب، والاختفاء القسري، وطالت هذه الانتهاكات رجالًا ونساءً، بل وحتى أطفالًا. وكان من المفترض أن تكون هذه القضايا في صدارة أي طاولة تفاهم أو حوار يُراد له أن يكون جادًا وصادقًا. غير أن ما حدث كان نقيض ذلك تمامًا؛ إذ جرى تجاوز هذه الملفات، وجلس على الطاولات ذاتها من تلطخت أيديهم بهذه الانتهاكات، يتحدثون عن الاستقرار وهم أول من انتهكه، ويتحاورون في السيادة وهم أدوات لمشاريع خارجية لا يملكون من القرار إلا ما يُملى عليهم.

تحولت مدن يمنية عدة، وعلى رأسها عدن، إلى ساحات اغتيالات ممنهجة واعتقالات خارج إطار القانون، مع انتشار السجون غير الرسمية، في ظل إفلات شبه كامل من العقاب وتعدد مراكز النفوذ وغياب دولة القانون. وقد شهدت عدن موجة اغتيالات واسعة بين عامي 2015 و2018 استهدفت أئمة مساجد، وضباطًا، ونشطاء، وهي وقائع موثقة في تقارير حقوقية دولية صدرت في تلك الفترة. وفي شبوة، ترافقت الصراعات السياسية مع مداهمات وتضييق على الأصوات المخالفة، واستخدام مؤسسات الدولة لتصفية حسابات النفوذ بدلًا من حماية المجتمع. أما حضرموت، المعروفة تاريخيًا بالاستقرار والتعايش، فقد طالها العبث عبر محاولات زجّها في صراعات لا تشبهها، وتهديد نسيجها الاجتماعي وخصوصيتها، وفتح الباب أمام فوضى مصطنعة تُدار من الخارج.

وفيما يتعلق بما نُشر في بعض المواقع الإخبارية الرسمية عن اكتشاف متفجرات في المكلا، سواء كان ذلك حقيقيًا أو ضمن بهرجة إعلامية، فإن هذه الوقائع لا تُعفي الرياض من مسؤوليتها. كما أن كشف السجون غير القانونية وحالات الاختفاء القسري لا يرفع عنها هذه المسؤولية، بل يضعها في موضع الشريك. فقد وثّقت منظمات دولية، منها تقارير صدرت في عامي 2017 و2018، وجود سجون سرية في جنوب اليمن، وتعرض محتجزين فيها للتعذيب وسوء المعاملة. وقبل ذلك بسنوات، نادى أحرار اليمن مبكرًا، وعبر مختلف المنصات الاجتماعية والقنوات التلفزيونية والبيانات العلنية، بوجود انتهاكات موثقة، وأدلة وشهادات حية، إلا أن هذه النداءات قوبلت بالصمت، وتغليب الحسابات السياسية على دماء الأبرياء.

وعندما طرأ التباعد السياسي بين الرياض وأبوظبي في مراحل لاحقة، امتلأت المنصات فجأة بالحديث عن الانتهاكات وكل ما جرى خلال السنوات الماضية، وكأن هذه الوقائع لم تكن معروفة من قبل. بدا ذلك محاولة مكشوفة للتنصل من المسؤولية وإعادة صياغة المشهد بما يخدم مصالح جديدة، غير أن الادعاء بعدم العلم لا يصمد أمام كثافة الشهادات، ولا حجم التوثيق، ولا أمام النداءات العلنية التي لم تتوقف يومًا.

إن العدالة وحدها هي الطريق إلى الاستقرار. فلا يمكن بناء دولة فوق المقابر، ولا تحقيق السلم فوق السجون السرية. ومحاسبة المتورطين محاسبة عادلة وعلنية، ورفض إعادة تدوير الوجوه ذاتها، هو السبيل الوحيد لردّ المظالم واستعادة ثقة الناس. أما ترك الجناة بلا حساب أو تلميعهم سياسيًا، فليس إلا عبثًا بدماء الضحايا وإرادة الشعب.

وسيظل القانون، مهما طال الزمن، يلاحق كل من تخاذل أو تواطأ أو صمت، بمن فيهم رئاسة اليمن ووزراؤها وكل من فرّط في واجبه تجاه شعبه. فالظلم لا يسقط بالتقادم، وقد وعد الله سبحانه وتعالى بنصرة المظلوم ولو بعد حين، وهي بشارة لكل صاحب دم بأن هذه الدماء في رقاب المتورطين جميعًا، وأن الحساب آتٍ لا محالة.

بقلم د. محمد جمال عبدالناصر بن عبود