آخر تحديث :الخميس-22 يناير 2026-04:42م

حين يُستهدف التوازن قبل الإنسان

الخميس - 22 يناير 2026 - الساعة 02:00 م
د. عارف محمد الحوشبي

بقلم: د. عارف محمد الحوشبي
- ارشيف الكاتب


السيارة المفخخة ليست مجرد وسيلة قتل ودمار بل هي في معناها الأعمق فلسفة فوضى تتحرك على الارض، فهي لا تبحث عن جسد لتقتله فقط ولكنها تبحث عن فراغ تريد صناعته.... ففي الوقت الذي تستهدف فيه إنسانا بعينه فهي تحاول إلغاء فكرة كاملة من المشهد.

إن ما جرى اليوم لم يكن محاولة اغتيال فاشلة لإنسان وقائد اسمه حمدي شكري الصبيحي بل محاولة اغتيال لوظيفة وجودية يؤديها هذا الاسم في وعي كل مواطن عدني وغير عدني ممن يتمنى الامان والاستقرار لعدن وللوطن ككل، فالعميد حمدي ليس مجرد شخص يسير في طريق ولا مجرد رتبة تتحرك في فضاء عسكري حر بل هو عامل توازن في مدينة تعيش على حافة الاختلال وهو معادلة أمن في زمن صارت فيه المعادلات نادرة.

في عدن ولحج لا يقاس الأمن بعدد النقاط ولا بكمية السلاح بل بوجود من يفهم متى تستخدم القوة وأين ومتى يجب أن يتراجع السلاح خطوة إلى الخلف ليتقدم العقل خطوات إلى الأمام وهنا كان يقف حمدي شكري ليس بوصفه فردا بل بوصفه ضميرا عمليا لفكرة الامن و الاستقرار.

السيارة المفخخة لم تفجر المكان وحده وٱنتها امرها بل فجرت معها عدد من الاسئلة

هل يمكن لمدينة أنهكتها الحروب أن تحتفظ بتوازنها؟

هل يمكن للأمان والسكينة أن يستمران في عدن ام سيحل محلهما الخوف والدمار ؟

هل يمكن للدولة أن تكون فكرة جامعة لكل معانيها ام مجرد أجهزة وتسميات بلا معنى؟

الزمان وقادم الايام كفيلان بالاجابة على هكذا تساؤلات....

إن الاغتيال في جوهره الفلسفي ليس إنهاء حياة انسان فقط بل نفي للمعنى ونفي لإمكانية أن ينتصر العقل على العبث وأن تتقدم الدولة على الفوضى وأن يكون الاستقرار خيارا لا هدنة مؤقتة. ولو كُتب لهذه الجريمة أن تنجح (لا قدّر الله) لما كان الانفجار عبارة عن عملية اغتيال لقائد فقط بل لأصبح انفجارا رمزيا سينهار معه ماتبقى من ثقة الناس بفكرة الأمن نفسها وستفتح أبواب السؤال الوجودي الأخطر وهو

من سيحمي المدينة إذا اختل او سقط ميزانها؟

وهنا سيصبح التفجير رسالة فلسفية سوداء، مفادها أن من يقف خلفه لا يريد عدن آمنة ومستقرة ولا لحج كذلك ولا يريد وطنا متماسكا، بل يريد فضاء بلا قواعد وساحة بلا معنى وزمانا تتحكم فيه الصدمة بدلا عن العقل.

الفوضى مهما ادعت القوة هي في حقيقتها عجز عن إنتاج معنى والتفجير مهما بدا صاخبا فهو اعتراف ضمني بأن من يقفون خلفه (أيٍ كانوا) لا يملكون مشروعا بل رغبة في الهدم والدمار, ومن هنا فإن أمن عدن ولحج ليس مسألة جغرافيا بل مسألة فلسفة دولة ونظام، فإما أن يكون الأمن قيمة أخلاقية تحمي الإنسان أو يتحول إلى فراغٍ يملؤه الدمار والخراب، ولا توجد منطقة وسطى بين المعنيين.

لمن يقف خلف هذا العمل ويظن أن العبث يمكن أن يصنع واقعا يتمناه نقول له إن الظلم لا يملك مستقبلا وإن الله لا يمنح الشر استمرارية البقاء، قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ وقال عز وجل: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾

ختاما نحمد الله على سلامة العميد حمدي شكري، ونترحم على الشهداء الذين دفعوا حياتهم ثمن هذا العبث الآثم ونسأل الله الشفاء العاجل للجرحى وأن يحفظ لعدن وغيرها من مدن وطننا الكبير طمأنينتها وأمنها واستقرارها، إنه نعم المولى ونعم النصير ..

والله وحدة المستعان.