آخر تحديث :السبت-04 أبريل 2026-11:51م

الحوار الجنوبي في الرياض: فرصة تاريخية برعاية مسؤولة

الجمعة - 23 يناير 2026 - الساعة 05:38 م
محمد علي رشيد النعماني

بقلم: محمد علي رشيد النعماني
- ارشيف الكاتب



في وضع سياسي شديد التعقيد، تتداخل فيه الأزمات المحلية مع التحولات الإقليمية، تبرز دعوة الحوار الجنوبي–الجنوبي المزمع عقده في الرياض بوصفها محطة مفصلية لإعادة ترتيب المشهد الجنوبي، ومعالجة اختلالات تراكمت بفعل سنوات طويلة من الصراع والانقسام .

هذا الحوار، إذا ما أُحسن إدارته، لا يمثل مجرد لقاء سياسي عابر، بل يشكل فرصة حقيقية لترميم البيت الجنوبي من الداخل، وتوحيد الرؤية حول القضايا الجوهرية التي تهم شعب الجنوب ومستقبله السياسي والأمني والاقتصادي .

إن أهم ما يميز الحوار الجنوبي–الجنوبي هو كونه يفتح الباب أمام مختلف القوى الجنوبية للجلوس على طاولة واحدة، بعيداً عن الإقصاء والتخوين، لمناقشة الخلافات بصراحة ومسؤولية، والبحث عن أرضية مشتركة تنطلق من الثوابت الوطنية الجنوبية، وتحترم التنوع السياسي والاجتماعي الذي يميز الجنوب .

كما أن توحيد الصف الجنوبي من خلال هذا الحوار يعزز من قوة الموقف التفاوضي للجنوبيين في أي مسارات سياسية قادمة، سواء على المستوى الوطني أو الإقليمي أو الدولي، ويمنح القضية الجنوبية ثقلاً أكبر، قائماً على الإجماع لا على التنازع .

ولا يمكن فصل هذا المسار عن الدور السعودي الذي يكتسب أهمية خاصة في هذه المرحلة. فاستضافة المملكة العربية السعودية لهذا الحوار تعكس إدراكاً عميقاً لحساسية الملف الجنوبي، وحرصاً واضحاً على دعم الاستقرار، ومنع انزلاق الجنوب نحو صراعات داخلية تستنزف طاقاته وتفتح المجال أمام قوى معادية للمنطقة بأكملها.

لقد أثبتت السعودية، عبر مواقفها المتعددة، أنها تنظر إلى الجنوب باعتباره ركيزة أساسية لأمن باب المندب والبحر الأحمر وبحر العرب ، وأن استقرار الجنوب ليس شأناً محلياً فحسب، بل مصلحة إقليمية مشتركة. ومن هذا المنطلق، يأتي دعمها للحوار الجنوبي–الجنوبي كجزء من مقاربة عقلانية تهدف إلى بناء شراكات مستدامة مع القوى الفاعلة على الأرض، وليس فرض حلول جاهزة من الخارج .

وفي المقابل، فإن نجاح هذا الحوار مرهون بمدى جدية الأطراف الجنوبية المشاركة، وقدرتها على تقديم المصلحة العامة على الحسابات الضيقة، والانتقال من منطق الصراع إلى منطق الشراكة، ومن إدارة الخلاف إلى إدارة التوافق .

إن الفشل في استثمار هذه الفرصة قد يعمق الانقسامات ويمنح خصوم الجنوب مساحة أكبر للتشويش والاختراق، بينما نجاحه سيشكل نقطة تحول حقيقية نحو استقرار سياسي، وإدارة رشيدة، وشراكة إقليمية متوازنة .

خلاصة القول، إن الحوار الجنوبي–الجنوبي في الرياض ليس نهاية الطريق، لكنه قد يكون البداية الصحيحة لمسار أكثر نضجاً وواقعية، يعيد للجنوب وحدته السياسية، ويضع قضيته في إطار مسؤول، مدعوم إقليمياً، وقابل للحياة والاستمرار .

وهي مسؤولية تاريخية تقع على عاتق الجميع، قبل أن تكون فرصة سياسية لا تحتمل التفريط .


بقلم / محمد علي رشيد النعماني ..