آخر تحديث :السبت-24 يناير 2026-12:59م

عندما كنا صغارًا كان أبي كبيرًا.. وعندما كبرنا كان أبي أكبر

الجمعة - 23 يناير 2026 - الساعة 11:47 م
د. أنور الصوفي

بقلم: د. أنور الصوفي
- ارشيف الكاتب


عندما كنا صغارًا كانت تُقدم لنا وجبة الطعام وكنا نأكل معًا وكان أجمل ما في المائدة لأبي، وكان يأخذها ويوزعها علينا كما كان يوزع حبه علينا، كان يغذينا كما تغذي زخات المطر الزرع، لقد كان أبي رائعًا، فقد كان يخبئ حبه في قلبه، فتبوح عيناه بحبه الكبير لنا، فأسأل الله أن يحرم عينيه وكل جسمه على النار.


كان أبي يدعونا لنكون حلقة واحدة على الطعام لتحل البركة، وكان أبي أكبر بركة، كان لا يقول لنا كلوا بيمينكم ولكنه كان يفعل ونحن نفعل مثله، كان لا يقول لنا كلوا مما يليكم ولكنه كان يفعل فنفعل مثله، فنعرف استحسانه من خلال نظراته، كان أبي لا يقرأ ولا يكتب ولكنه كان يتابعنا في دراستنا، فيظل يراقبنا ونحن نتحلق حول الفانوس لنكتب واجباتنا ونستذكر دروسنا كما يراقب الأستاذ تلاميذه، لقد كان أبي أستاذًا ولكنه لا يقرأ، كان أبي معلمًا ومربيًا لنا في كل خصال الخير.


عندما كبرنا كان أبي أكبر، فقد كان يعلمنا كيف نربي أبناءنا، وكيف ندير حياتنا، كان أبي رائعًا كروعة هذا الكون، فهو بالنسبة لنا كان يمثل كل شيء، فقد كنا نراه الأستاذ والموجه والمربي والقائد والحامي لنا، كنا نراه الحب كله، كنا ننام ملء جفوننا وأبي ينام ويصحو، فتراه يغطي هذا ويتحسس حرارة ذاك، وكان يتفقد الحمى، فقد كان أبي حامي الحمى، فصوته في الليل وهو يردد: لا إله إلا الله بأعلى صوته مصدر أمان لنا، فأسأل الله أن يؤمنه في قبره، وأن يفسح له في قبره، وينعم عليه وعلى أمي وكل المسلمين برضاه ورحمته، فمن تولاه الله برحمته نجا.


كان أبي كبيرًا عندما كنا صغارًا وعندما كبرنا كان أبي أكبر، فما يفعله معنا ونحن صغارًا أعاده لنا مرة أخرى في تربية أبنائنا، فقد كانوا يتحلقون عليه كما كنا نتحلق نحن، فتوسعت الحلقة حول أبي وكلما اتسعت الحلقة حوله كان قلبه يتسع لنا ولأحفاده، فلم أر مثل أبي في حبه لنا، فأسأل الله أن يحبه هو وأمي ونحن والمسلمين كافة.