آخر تحديث :الجمعة-20 فبراير 2026-02:05ص

عندما يغتال الجمال في مدينة الثقافة

الأحد - 25 يناير 2026 - الساعة 12:30 ص
رائد الفضلي

بقلم: رائد الفضلي
- ارشيف الكاتب


بقلم: رائد الفضلي


لا يليق بمدينة الثقافة والعلم أن تُسمع بين الحين والآخر حادثة اغتيال.

ففي مدينةٍ عرف عنها الحب للحرف والقراءة، والاحتفاء بالعلم والفن، تحولت الشوارع إلى مسارحٍ لرائحة البارود، وتبدّلت معالمها من مكتباتٍ ومقاهٍ ثقافية إلى مواقعٍ للجريمة والفراغ الأمني.


إن اغتيال امرأة في تعز، ليس مجرد جريمة فردية، بل طعنة في هوية المدينة.

هو انتهاك لكرامة المجتمع، وتحدٍ صريح لكل القيم التي جعلت من تعز منارة ثقافية.

وإذا كان الاغتيال يُعَدُّ فعلًا شنيعًا في أي مكان، فإن وقعَه في مدينة الثقافة يكون أشد قسوة، لأننا هنا لا نتحدث عن مجرد قتل، بل عن قتل للذات والهوية.


قبل فترةٍ قصيرة، اغتيلت مديرة صندوق النظافة والتحسين، إفتهان المشهري، ثم تكررت الجريمة اليوم في منطقة العسيلة بمديرية شرعب السلام، حيث سقطت الدكتورة وفاء محمد سيف ضحية رصاصٍ بارد داخل منزلها، في لحظةٍ لا يمكن تفسيرها إلا بأنها تحدٍ صارخ لكل الشرع والقانون والإنسانية.

ليس هناك أي مبرر أو مَخرج شرعي أو عرفي يسمح بمثل هذه الأعمال، ولا يوجد قانون يمكن أن يبرّر استباحة حياة الإنسان بهذه السهولة.


إن ما يحدث في تعز ليس مجرد “حادثين”، بل نمطٌ خطير يشي بأن المجتمع يُواجه حالة من الانفلات الأمني الأخطر من أي وقت مضى.

فحين يصبح قتل النساء خبراً عاديًا، وتُعَدّ الجريمة مجرد “خبر” يُمرّر دون أن تثير فينا غضبًا حقيقيًا، فإننا نكون قد فقدنا شيئًا أكبر من ضحيتنا:

فقدنا الضمير.


وللأسف، فإن هذه الجرائم لا تقتل الضحية فقط، بل تقتل فينا الإحساس بالأمان، وتطمس الأمل في مستقبلٍ أفضل.

إن تعز التي كانت تُعرف بمدارسها وجامعاتها وفعالياتها الثقافية، بدأت تُعرف الآن بمسلسلٍ من الاغتيالات، وبدلاً من أن نسمع عن معرضٍ للكتاب أو ندوة أدبية، نسمع عن “حادثة اغتيال” أخرى، وكأن المدينة أصبحت تُغتال فيها كل لحظة جميلة، وكل مشروع ناجح، وكل امرأة تُشكّل صلب المجتمع.


وليس هناك ما يبرر هذا العنف، لا سياسيًا ولا اجتماعيًا ولا دينيًا.

فالإسلام الذي نعتنقه، والذي قامت عليه قيم تعز، لم يشرع القتل كحل لأي خلاف.

والعرف الذي يميز مجتمعنا، والذي يحترم المرأة ويحميها، لا يسمح أن تتحول النساء إلى أهدافٍ في ساحةٍ مسمومة.


والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: ماذا بقي من تعز؟

ماذا بقي من ذلك النسيج الاجتماعي الذي كان يجمعنا؟

وكيف نستمر في الدفاع عن ثقافةٍ نفاخر بها، بينما تُغتال نساؤنا داخل بيوتهن؟


الجواب لا يمكن أن يكون مجرد كلمات احتجاج، أو بيانات شجبٍ ونداءاتٍ تتكرر ثم تنتهي.

الجواب الحقيقي يحتاج إلى إرادة حقيقية من الجميع:

من السلطات الأمنية، ومن المجتمع، ومن كل من يحمل في قلبه حب تعز.

فالمسؤولية ليست فقط على الجهات الرسمية، بل على كل فرد في المجتمع، لأن الجريمة لا تنتهي بقتل شخص، بل تبدأ بسقوط قيمنا.


يجب أن نعلنها بصوت واحد:

كفى صمتًا، وكفى تهاونًا، وكفى تبريرًا، وكفى استسلامًا لهذا الواقع المرير.

إن قتل النساء في مدينة الثقافة ليس مجرد جريمة، بل عارٌ على جبين المدينة، وعلى كل من يرفع شعار “تعز الثقافة” وهو يغمض عينيه عن الدم الذي يُراق.


إننا بحاجة إلى خطة أمنية واضحة، وإجراءات عاجلة، وتعاون مجتمعي كامل، ومحاسبة صارمة لكل من يعبث بأمن الناس.

فلا يمكن أن تستمر تعز في فقدان أبنائها وبناتها دون أن يكون هناك ردع حقيقي.


وفي النهاية، فإن تعز التي كانت دائمًا ترفع راية الثقافة، لا يمكن أن تظل صامتة أمام هذا القتل المتكرر.

وليس هناك أجمل من أن تُعيد المدينة لنفسها صورة المرأة كرمزٍ للحياة، لا كهدفٍ للرصاص.

فإذا كان الجمال يُغتال في مدينة الثقافة، فلا بد أن يعود الصوت أقوى من البارود، والوعي أشد من الرصاص، والضمير أقوى من الخوف.