آخر تحديث :الثلاثاء-24 فبراير 2026-02:12م

الحلول المؤقتة لا تجدي: الجنوب بين إسعاف الكهرباء وخيار الاستدامة

الأحد - 25 يناير 2026 - الساعة 01:04 م
عدنان زين خواجه

بقلم: عدنان زين خواجه
- ارشيف الكاتب


/عدنان زين خواجه


في ظل الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي التي أنهكت أبناء المحافظات الجنوبية، عادت أزمة الكهرباء إلى واجهة المشهد الخدمي باعتبارها واحدة من أكثر الملفات إلحاحاً وتأثيراً على حياة المواطنين. ومع ارتفاع درجات الحرارة في معظم أشهر السنة، باستثناء فترة وجيزة يعتدل فيها الطقس، تصبح الكهرباء ضرورة يومية لا تحتمل التأجيل أو المعالجات الترقيعية.

في هذا السياق، تبنت المملكة العربية السعودية، قائدة التحالف، مبادرة لتوفير الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، حيث تم التعاقد مع شركة بترومسيلة لتأمين المواد النفطية مقابل 81 مليون دولار. خطوة لاقت ترحيباً واسعاً، كونها تسهم في تخفيف المعاناة الآنية وتعيد جزءاً من الخدمة التي تدهورت بشكل كبير خلال السنوات الماضية.

غير أن السؤال الذي يطرحه الشارع اليوم يتجاوز حدود الامتنان إلى التفكير في المستقبل: هل تمثل هذه المعالجات حلاً مستداماً أم أنها مجرد إسعاف مؤقت لأزمة متكررة؟

الوقود قد يغطي احتياجات التشغيل الجزئي خلال فصل الشتاء، حين ينخفض الاستهلاك نسبياً، لكن مع حلول الصيف تتضاعف الأحمال، وتتصاعد التكاليف إلى مستويات باهظة، ما يعيد الأزمة إلى نقطة الصفر. الاعتماد على الديزل والمازوت يثقل كاهل الموازنة العامة، ويجعل قطاع الكهرباء رهينة لتقلبات أسعار الوقود والدعم الخارجي.

من هنا تبرز أهمية الانتقال من سياسة “إدارة الأزمة” إلى “معالجة الجذور”. فالبدائل متاحة، والإرادة إن توفرت يمكن أن تفتح الباب أمام حلول استراتيجية أكثر جدوى. الاستثمار في محطات تعمل بالطاقة الشمسية أو طاقة الرياح، أو حتى إنشاء محطات تعتمد على الغاز (البوتاغاز) الأقل كلفة مقارنة بالديزل، يمثل خياراً اقتصادياً وبيئياً في آنٍ واحد. أغلب دول العالم تتجه اليوم نحو الطاقة النظيفة باعتبارها أقل كلفة على المدى المتوسط والبعيد، وأكثر استقراراً من حيث الإمدادات.

إن كلفة الوقود المدفوعة خلال أشهر الصيف فقط قد تعادل جزءاً كبيراً من تكلفة إنشاء مشاريع طاقة بديلة قادرة على رفد الشبكة بإنتاج مستدام، يقلل من الإنفاق التشغيلي ويخفف الضغط على المالية العامة. ويمكن تحقيق ذلك عبر قروض ميسرة أو شراكات استراتيجية، بما يضمن تأسيس بنية تحتية حديثة قادرة على تلبية احتياجات النمو السكاني والاقتصادي.

في موازاة ذلك، يبرز ملف المصافي كأحد المفاتيح المهمة للحل. فالتوجه لدراسة متطلبات إعادة تشغيل المصافي ودعمها – كما تم التصريح به مؤخراً – قد يسهم في تأمين احتياجات محطات الكهرباء محلياً، ويقلل من فاتورة الاستيراد، فضلاً عن رفد ميزانية الدولة بإيرادات إضافية تعزز الاستقرار المالي.

ومع أن ملف الكهرباء يحتل الصدارة، إلا أن معاناة المواطن لا تتوقف عند حدود الخدمة فقط، بل تمتد إلى ملف الرواتب، خصوصاً في القطاعات المدنية، التي تتآكل قيمتها الشرائية بفعل التضخم وانهيار العملة. إن أي تحسن حقيقي في الخدمات يجب أن يتزامن مع معالجة جادة لملف الرواتب، بما يضمن صرفها بانتظام، وبما يتناسب مع الواقع الاقتصادي الراهن، حتى يشعر المواطن بوجود تغيير ملموس في حياته اليومية.

ختاماً، إن الدعم المقدم خطوة إيجابية تستحق التقدير، لكنه لن يكون كافياً ما لم يتحول إلى رؤية شاملة تضع الاستدامة في صلب الحلول. الجنوب اليوم بحاجة إلى استراتيجية طاقة متكاملة، لا تعتمد فقط على الوقود الطارئ، بل تؤسس لمرحلة جديدة من الاكتفاء والكفاءة، ترفع المعاناة عن المواطن، وتضع قطاع الكهرباء على طريق التعافي الدائم.