آخر تحديث :الأحد-25 يناير 2026-09:33م

بين يدٍ تحتضن و يدٍ تُفلت.. حكاية طفلة و ضمير أمة

الأحد - 25 يناير 2026 - الساعة 04:55 م
وجدان باقيس

بقلم: وجدان باقيس
- ارشيف الكاتب


ليست كل الفواجع متشابهة، فبعضها يكسر القلب، و بعضها يوقظه..

و حكاية الطفلة السودانية العنود ليست مجرد مأساة نجاة من حادث، بل مرآة فاضحة للفارق بين إنسانٍ يلتقط الألم، و سلطةٍ تتركه يتراكم..

العنود، طفلة لم يكتمل عقدها الأول، وجدت نفسها في لحظةٍ خاطفة بلا أب، بلا أم، بلا إخوة.!

وحدها الأقدار أبقت لها جدّاً و جدّة، شيخوخة تمسك بيد طفولة، وسط غربةٍ و صدمةٍ لا يعرفها الكبار فكيف بالصغار.!

حادث واحد محا أسرة كاملة، و ترك طفلة تتعلم مبكراً معنى الفقد، و معنى أن ينجو الجسد بينما الروح تتأخر في اللحاق..

و في الجهة الأخرى من المشهد، هناك أطفال السودان..

أطفال لم يخترق حياتهم حادث عابر، بل حرب طويلة، مفتوحة، عبثية..

آلاف الصغار رأوا آباءهم يُقتلون، و أمهاتهم يُفقدن، و بيوتهم تُمحى، ثم تُركوا ليواجهوا الشارع، الجوع، و الخوف، بلا اسمٍ، بلا عنوان، بلا يدٍ تسأل عنهم.!

و إن اتسعت الصورة قليلاً، سنجد أن المشهد لا يتوقف عند السودان وحده.!

فهنا أطفال اليمن..

أطفال وُلدوا على صوت الحرب، و كبروا على معنى الحصار، و تعلموا العدّ لا بالأرقام، بل بعدد الغارات، و عدد الوجبات الناقصة، وعدد الأصدقاء الذين لم يعودوا إلى المدرسة..!

في اليمن، لم تُسرق الطفولة فجأة، بل استُنزفت ببطء..

أطفال ينامون على الخوف، و يستيقظون على الجوع، يتنقلون بين النزوح و التيه، بلا مدارس مستقرة، و لا أمان ثابت، و لا مستقبل واضح..

طفولة تُقايض بالحياة، و حق البقاء صار حلماً أكبر من الألعاب..

ما يوجع في قصة العنود ليس يُتمها وحده، بل أنها كانت في بلدٍ ليس بلدها، و في ظرفٍ لا يحتمل الانتظار.!

و مع ذلك، لم تُترك..

في لحظةٍ إنسانية خالصة، رفعت الطفلة صوتها، لا بلغة السياسة، و لا ببلاغة الكبار، بل بصدق من لم يبقَ له سوى الرجاء..

لم تطلب مالاً، و لا امتيازاً، بل طلبت أن تبقى قريبة من الأرض التي احتضنت رفات أسرتها، من المكان الذي تشعر فيه أن رائحة والديها لم تغادر بعد..

كان طلباً بسيطاً.. لكنه عميق..

و هنا يظهر الفرق..

حين يصل النداء إلى قلبٍ يرى في الإنسان قيمة قبل أي اعتبار، تتحول القرارات إلى أمان..

استُجيب للعنود، لا لأنها حالة إعلامية، بل لأنها طفلة مكسورة تستحق الحياة..

فكانت المملكة العربية السعودية، بقيادة ولي عهدها محمد بن سلمان، مساحة رحمة، لا ملجأ مؤقتاً، بل كنفاً كاملاً، و إقامة، و رعاية، و طمأنينة..

ذلك المشهد لم يكن إجراءً رسمياً، بل فعلاً إنسانياً صافياً، يثبت أن السلطة حين يغمرها نور الحنان تصبح قادرة على تضميد الجراح..

و في المقابل، يبقى السؤال معلقاً في خاصرة الضمير العربي:

ماذا عن أطفال السودان في وطنهم؟

و ماذا عن أطفال اليمن في أرضهم؟

لماذا لا يجدون من يسمع رجاءهم بإيقاف الحروب التي سرقت طفولتهم؟

لماذا يُتركون ليواجهوا المصير ذاته كل يوم، بلا استجابة، بلا أفق، بلا أمان؟

ما بين العنود، و أطفال السودان، و أطفال اليمن..

مسافة واحدة فقط: القرار..

قرار أن تحمي.. أو قرار أن تصمت..

قرار أن تكون في مقام المسؤولية..

أو أن تترك التاريخ يكتب الإدانة وحده..

استجابت المملكة لطفلة واحدة، فكسبت إنساناً، و دعاءً، وأثراً لا يُنسى..

وخسر كثير من أطفال المنطقة الكثير، لأن من يفترض به أن يحميهم لم يفعل..

و في النهاية،

لا تُقاس الأمم بعدد خطاباتها،

و لا تُوزن الدول بضجيج شعاراتها،

بل بعدد الأطفال الذين ناموا آمنين تحت سمائها..