ما يجري الترويج له تحت مسمّى الحوار الجنوبي–الجنوبي في الرياض لا يمكن توصيفه كحوار حقيقي، لا من حيث المضمون، ولا من حيث التمثيل، ولا من حيث السياق السياسي والوطني. هو أقرب لمحاولة التفاف سياسي مفضوح على إرادة شعبٍ عبّر عن خياره بوضوح في الساحات والميادين، لا في الغرف المغلقة.
أي حوار هذا، وإعلامه موجّه منذ اللحظة الأولى ضد المجلس الانتقالي الجنوبي، الحامل السياسي لقضية الجنوب، والمفوض شعبيًا عبر مليونيات غير مسبوقة هزّت الأرض، وأربكت حسابات الخصوم، وأسقطت أوهام الوصاية؟
المجلس الانتقالي لم يأتِ بقرار خارجي، بل خرج من رحم الشارع الجنوبي، ومن تضحيات الدم، ومن إرادة الناس التي لا يمكن تجاوزها ببيانات أو لقاءات نخبوية معزولة.
القرارات التي تُطبخ في غرف مغلقة، وبمشاركة مكونات كرتونية لا وجود حقيقي لها على الأرض، لا يمكن أن تحظى بتأييد شعبٍ كامل.
من سيؤيد مخرجات لم يكن شريكًا في صناعتها؟
ومن سيمنح الشرعية لمن لم يملك يومًا قاعدة جماهيرية أو وزنًا نضاليًا؟
الأخطر من الفشل السياسي هو فقدان البوصلة الأخلاقية؛
كيف يُطلب من شعبٍ أن يؤيد مسارًا، بينما تُوجَّه الطائرات لضرب أبنائه؟
كيف يُنتظر الالتفاف الشعبي حول مشاريع، في الوقت الذي تُستهدف فيه القيادات الجنوبية، وتُغتال الثقة، ويُغدر بالشركاء الذين وقفوا في الصف الأول بمواجهة الحوثي؟
إن الالتفاف على المجلس الانتقالي ليس التفافًا على كيان سياسي فقط، بل هو التفاف على شعب الجنوب بأكمله، وغدر بالقوات المسلحة الجنوبية التي كانت ولا تزال رأس الحربة في مواجهة المليشيات الحوثية، في الوقت الذي تم فيه تسليم الجبهات من قِبل أطراف باتت اليوم تُكافأ سياسيًا وعسكريًا.
أما الحديث عن الأمن والاستقرار، فقد بات مفرغًا من مضمونه،
فلا أمن تحقق، ولا استقرار بُني، ولا رواتب صُرفت بكرامة.
والحقيقة التي يعرفها الجميع أن الرواتب تُدفع – إن دُفعت – من ثروات حضرموت وشبوة والمهرة، لا من مِنح ولا من كرم المتآمرين.
ثروات الجنوب تُنهب، ثم يُعاد جزءٌ يسير منها على أنه إنجاز!
إن ما يجري ليس تثبيتًا للأمن، بل إدارة فوضى،
وليس شراكة، بل وصاية،
وليس حوارًا، بل محاولة امتصاص للغضب الشعبي وتمرير مشاريع لا تخدم الجنوب ولا أهله.
اليوم، ومع هذا المسار، بات من الواضح أن المملكة – بسياساتها الحالية – خسرت ثقة كثيرين في الشمال والجنوب معًا.
ومن يتساءل: من المتبقي معها؟
فليبحث عن الإجابة في الشارع، لا في الفنادق.
الخلاصة:
أي حوار لا ينطلق من إرادة شعب الجنوب، ولا يعترف بممثله الحقيقي، ولا يحترم تضحياته، هو حوار محكوم عليه بالفشل، مهما جرى الترويج له، ومهما كُتب له من بيانات.
الجنوب لا يُدار من الخارج، ولا تُفرض عليه حلول،
والشعب الذي خرج بالملايين… لن يعود إلى الصمت.