/عدنان زين خواجه
في ظل المتغيرات السياسية والاقتصادية التي تمر بها البلاد، يبرز ملف التشكيل الوزاري بوصفه أحد أهم الملفات التي تمس جوهر إدارة المرحلة الراهنة. وتتزايد الأصوات المطالبة بإعادة النظر في معايير توزيع الحقائب والمناصب العليا، بما يتناسب مع واقع المحافظات المحررة واحتياجاتها، بعيداً عن المحاصصة الحزبية أو المناطقية التقليدية.
يرى مؤيدو هذا التوجه أن الأولوية في التعيين يجب أن تُمنح لأبناء المناطق المحررة، باعتبارهم الأكثر احتكاكاً بالواقع الخدمي والأمني والمعيشي في تلك المحافظات. فإدارة المناطق المستقرة نسبياً تتطلب مسؤولين يعيشون تفاصيلها اليومية، ويدركون تعقيداتها، وقادرين على تحمل مسؤولية القرار أمام مجتمعاتهم المحلية.
كما يُطرح مقترح اعتماد معيار الكثافة السكانية في توزيع المناصب داخل إطار المحافظات المحررة، بما يضمن عدالة التمثيل ويحد من هيمنة أي طرف حزبي أو مناطقي. فالتوزيع القائم على عدد السكان، وفق هذا الطرح، قد يكون أكثر اتزاناً من المحاصصات السياسية التي أثبتت التجربة أنها كثيراً ما تعمّق الانقسامات بدل معالجتها.
وفي المقابل، يذهب بعض الداعمين لهذا الاتجاه إلى ضرورة إعادة تعريف دور أبناء المحافظات التي لا تزال أجزاء واسعة منها تحت سيطرة قوى أخرى، عبر توجيه جهودهم نحو ملف التحرير واستعادة مؤسسات الدولة في مناطقهم، بدلاً من الانخراط في إدارة محافظات محررة لا تمثل نطاقهم الجغرافي. ويقترح هؤلاء وقف التعيينات الإدارية في المحافظات التي لا تزال أغلب مديرياتها خارج السيطرة الحكومية، بما في ذلك مناصب المحافظين ونوابهم والوكلاء، مع تجميد مخصصات المحافظات التي لا تمارس سلطتها الفعلية على الأرض، والتعامل فقط مع المديريات المحررة منها وفق واقع إداري واضح.
ويشمل هذا الطرح إجراء حصر دقيق للمديريات المحررة في كل محافظة، وتعيين مدير عام لكل مديرية محررة، مع اعتماد موازنات تشغيلية ورواتب للمرافق الخدمية العاملة فيها، لضمان توجيه الموارد إلى مناطق النفوذ الفعلي، بدلاً من تشتيتها في هياكل إدارية لا تمارس مهامها على الأرض.
كما يثير أنصار هذه الرؤية تساؤلات حول جدوى تعيين وزراء أو مسؤولين من محافظات لا تزال خاضعة لسلطات أخرى، ومنحهم صلاحيات لإدارة شؤون مناطق محررة، معتبرين أن ذلك يخلق فجوة في التمثيل ويضعف الإحساس بالمساءلة المحلية.
وفي سياق متصل، يُطرح خيار اعتماد صيغة فيدرالية على مستوى كل محافظة، بما يمنحها صلاحيات أوسع في إدارة مواردها وشؤونها، شريطة أن تستند هذه الفيدرالية إلى واقع السيطرة الفعلية والإدارة القائمة، لا إلى حدود إدارية معطلة بفعل الصراع.
غير أن هذا الطرح، رغم ما يحمله من دعوة إلى مواءمة السلطة مع الواقع الميداني، يظل بحاجة إلى نقاش وطني واسع يوازن بين متطلبات العدالة في التمثيل، وضرورات وحدة المؤسسات، وتفادي تكريس الانقسام الجغرافي أو السياسي بشكل دائم. فإعادة هيكلة التشكيل الوزاري والإداري يجب أن تنطلق من رؤية شاملة لإدارة الدولة في مرحلة استثنائية، هدفها النهائي استعادة الاستقرار وبناء مؤسسات قادرة على خدمة المواطن أينما كان.
وبين أولوية التحرير، وعدالة التوزيع، ووحدة الدولة، يبقى التحدي الأكبر هو صياغة معادلة سياسية وإدارية تحقق الفاعلية على الأرض، وتحفظ في الوقت ذاته التماسك الوطني وتمنع الانزلاق إلى مزيد من التشظي.