حينما تتحول المناطقية من توصيف جغرافي إلى سلاح سياسي يصبح الوطن أول الضحايا وتتحول الهوية الجامعة إلى شظايا متناحرة. فالأوطان لا تهزم فقط بالجيوش بل تهزم قبل ذلك حين يعاد تعريفها على أسس ضيقة وحين يختزل الانتماء في منطقة أو قبيلة أو مدينة بدل أن يكون في وطن يتسع للجميع.
المناطقية ليست مجرد خلافات اجتماعية عابرة بل مشروع تفكيك صامت يبدأ بخطاب الكراهية ويتغذى على المظلومية الانتقائية وينتهي بتطبيع الانقسام وكأنه قدر لا مفر منه. وعندما تدار السياسة بعقلية نحن وهم يفقد الوطن معناه وتختطف الدولة من قبل تجار الانقسام وباعة الوهم.
لقد أثبتت التجارب أن المناطقية لا تبني دولة ولا تحقق عدالة ولا تصنع استقرارًا. بل تنتج كيانات هشة تتصارع فيما بينها وتستدعي الخارج لحسم خلافاتها فتتحول من مشروع تحرير أو استعادة إلى ساحة صراع بالوكالة يدفع ثمنها المواطن البسيط في لقمة عيشه وأمنه وكرامته.
وحين تمزق الأوطان بالمناطقية لا ينتصر أحد. فالمنطقة التي تظن نفسها رابحة اليوم ستكتشف غدًا أنها معزولة وأن السلاح الذي رفع باسمها سيوجه إلى صدرها وأن الخطاب الذي أقصى غيرها سيلتهم أبناءها. فالتاريخ لا يرحم من يكرر أخطاءه ولا يجامل من يختزل الوطن في جماعة أو زعيم.
إن أخطر ما في المناطقية أنها تقتل فكرة الوطن المشترك وتفرغ النضال من مضمونه الأخلاقي وتحول القضايا العادلة إلى صراعات عبثية. فلا كرامة تستعاد ولا حقوق تصان ولا مستقبل يبنى في ظل وطن ممزق تحكمه الهويات الصغرى وتغيب عنه العدالة والمواطنة المتساوية.
الخلاص لا يكون بتبديل مركز الهيمنة ولا باستنساخ الظلم تحت شعارات جديدة بل ببناء مشروع وطني جامع يعترف بالتنوع دون أن يحوله إلى خنادق ويقر بالشراكة دون أن يجعلها غنيمة ويضع الإنسان قبل الجغرافيا والوطن قبل المناطق.
فالأوطان لا تموت حين تهزم عسكريًا بل حين يقنع أبناؤها أن تمزيقها هو الحل
محمد صالح مجمبل