في زمن الأقنعة والمواقف المشتراة يصبح النطق بالحقيقة مغامرة غير مأمونة العواقب وتتحول الكلمة من وسيلة للتعبير إلى تهمة تستوجب التشهير والتنكيل.
ما يتعرض له الزميل فتحي بن لزرق اليوم ليس مجرد حملة هجوم إلكترونية عابرة بل هو اختبار حقيقي لمدى قدرتنا على قبول الآخر وخاصة الذي يرفض أن يبيع بوصلته الوطنية في سوق المزايدات.
لقد وضع بن لزرق يده على الجروح النازفة وتحدث بلغة المواطن البسيط الذي أرهقته عشر سنوات من الشعارات الجوفاء والتطبيل في ظل واقع مرير لم يبع أوهاماً بل قال بملء فيه: "أنا ابن اليمن الكبير" مطلقاً رصاصة الرحمة على مشاريع التجزئة التي لم تستوعب الواقع والظروف داخل الوطن وحواليها ولم تجلب للناس سوى مزيد من الفقر والجوع والجبايات.
هذا "الطلاق بالثلاثة" للمشاريع الضيقة لم يكن خيانة بل كان عودة إلى الذات وإخلاصاً لتراب وطن جزأته الصراعات والتأمرات والأمراض السياسية والمصالح الذاتية والمرضية.
إن الهجوم العنيف الذي شنه و يشنه بعض المازومين والتحريض الذي يحاولون به شيطنة رجل اختار البقاء في عدن ليمارس مهنته الانسانية متحملا اثقال مخاطرها حين غادرها الكثيرون ليثبت شيئاً واحداً أن الحقيقة توجع.. توجع الذين اعتادوا على التصفيق الأعمى والتطبيل الغبي وتوجع الذين بنوا أمجادهم على حساب أوجاع الناس ونهب مقدراتهم.
إننا اليوم أمام مفترق طرق أخلاقية قبل أن تكون سياسية أو إعلامية ، فحرية الرأي والتعبير ليست منحة من أحد بل هو حق ضمنه الدستور و القانون اليمني والمواثيق الدولية وانتزعه العديد من المناضلين في جبهة الصحافة والاعلام بمداد أقلامهم.
والمناضلون داخل المجتمع في قضايا المجتمع وهمومه ومشاكله وتحدياته وهو تعيير عن
صدق مشاعرهم في حب بلادهم ووطنهم،والحقوق الإنسانية لمواطنيهم والخلاف في الرأي مهما بلغت حدته يجب ألا يفسد للود قضية وألا يتحول إلى ذريعة للتحريض بحق الحياة الانسانية والمساس بحق الحياة والأمن والامان أو الترهيب الجسدي.
إن التضامن مع فتحي بن لزرق هو تضامن مع حق كل انسان يمارس حقوقه الإنسانية الطبيعية في التعبير عن رأيه بحرية عن كل ما يمس الحياة الانسانية العامة والمرتبطة بحياة كل الناس و في أن يحلم بوطن عادل يحترم أبناءه ولا يمايز بينهم ويرفع صراخه في وجه الفساد بكل صوره و اللصوصية السياسية التي تتاجر باوجاع المجتمع وأفراده لتملأ الخزائن.
يا هؤلاء.. يمكنكم محاصرة الصحيفة ويمكنكم تجنيد الجيوش الإلكترونية ولكنكم أبداً لن تستطيعوا خنق صوت الحقيقة الذي يتردد صداه في أزقة عدن وشوارع حضرموت والمهرة وأبين وصنعاء وجبال تعز. والحديدة واب وكل مناطق اليمن التي مازالت تعيش آثار الحرب الذي فرضها الحوثيين على كل اليمن.
والوطنية وحقوقها ليست صكاً يوزعه من يشاء على من يشاء.
فتحي بن لزرق قال كلمته ومضى.. فهل نملك الشجاعة لنقول خلفه "كفى عبثاً بوطن لا يستحق منا إلا نعمل من اجل استعادة الدولة والاستقرار والسلام العادل والتنمية التطويرية والوفاء لنعيش كما يعيش سكان وشعوب دول العالم..." ؟