آخر تحديث :السبت-28 فبراير 2026-01:22ص

هامش الذكريات، وكلمة حق تأخرت عشر سنوات

الأربعاء - 28 يناير 2026 - الساعة 06:49 م
احمد مهدي سالم

بقلم: احمد مهدي سالم
- ارشيف الكاتب


أتذكر مرَّت بي نازلة كبيرة تفوفت على كثير من المصائب والمصاعب التي واجهتها في مراحل من حياتي، وخرجت منها منتصرًا بأقل الأضرار، كانت النازلة الأكبر في عام 2015 حينما سيطر الحوثيون على صنعاء، ومعظم الوطن.. كانت المرتبات تأتي من صنعاء، حيث سرقوا علي أربعة مرتبات، ونحن معظم سكان المدن في الغالب نعتمد على مرتباتنا فقط كأساس لتصريف معيشتنا، وإدارة حياتنا.. كان ذلك صدمة كبيرة لي.. انجرح لها قلبي، وتأذت كل مشاعري.. عرفت القهر والجوع، ومحاولات الإخضاع والخنوع.. وأذكر أنه بسبب كتاباتي الناقدة وقتها ضد بعض المحافظين والمسؤولين حاربوني في لقمتي، وعدم توظيف ولدي ماجد وأخته، وكلاهما خريجا بكالوريوس من كلية زنجبار، وعاد البنت جابت امتياز 93٪ في تخصص الانجليزي، وكانت الأولى، وأطيح لها إلى الثانية من قبل عمادة الكلية انتقامًا من شخصي، وأترك تفصيلات هذا الموضوع إلى وقت قادم.. الظلم فظيع، ووخيم العاقبة.. كيف تتصرف، وأنت تجد مطبخك فارغًا من كل شيء؟!.. مؤلم شعورك بالجوع، وأنت محارب من كل جنب على رأيك ومواقفك وكتاباتك.. آلمني أن من جيراني بعض التجار ومنهم من كنت مؤجِّرًا لهم مستودع لي بنصف سعر السوق أيام والدهم تقديرًا للمجورة.. ولا أنسى أني بعد فقدان مرتباتي ،تجرَّأت، وطلبت من أحدهم سلفة 400 ريال يبني وقتها، لآخذ رز وخضرة لي وعيالي ليوم.. فردني.. رفض.. وأفهم أن ذلك السلوك الغبي الانتقامي الذي لا يرعى حق المجورة كان بسبب مواقفي مع الوحدة، حيث كنت وقتها صلبًا، وأجهر بقلمي وصوتي دفاعًا عنها.. شف لك على لؤم..

تصادف ذلك مع حصول مشكلة قبلية بسيطة على زواج تحصل مثلها أضعافًا لدى القُبل الأخرى، وتُحل.. ووجد الحاقدون من عشيرتي فرصة لمحاصرتي وتدميري سيما أن منزلتي كانت مميزة، وتفوقهم مثل كوني الصحفي الوحيد من القبيلة الذي يكتب في كل الصحف، والوحيد من قبيلتي الذي دخل الجامعة، ودرَّس ويدرَّس في كلية التربية بزنجبار، وكذلك كوني نجمًا رياضيًّا معروفًا في لعبة كرة الطاولة.. قائد فريق خنفر للطاولة ومدربه في عصره الذهبي، وأفضل لاعبي منتخب أبين، وبطل جامعة عدن، ولاعب مع الفريق الوطني لفترة..، وكذا لكوني في رياضة وإعلام عدن أول من ترأس وفودًا رياضية.. ترأست. الوفد الرياضي في كرة تنس الطاولة وتنس الميدان الذي يمثل اليمن الديمقراطي ضمن البروكتول مع جييوتي إلى جيبوتي، ونجحت ونجحنا أن تجد نفسك مسؤولًا ومشرفًا على نجوم ونجمات البلد، وعدن، وتقود بنجاح.. شعور مبهج. وكذا كوني أول إعلامي رياضي من أبين يسافر مرافقًا إعلاميًّا مرافقًا لمنتخب شباب اليمن إلى قطر ضمن بطولة آسيا رقم (34)

المتحاربون من العشيرة اجتمعوا على محاصرتي، وجاءتهم الفرصة لأني في غياب بل في سرقات مرتبات أربعة شهور سأحتاج لهم مع أني خدمتهم خدمات كثيرة، واستفادوا من وجودي في المدينة كثيرًا.،واتفقوا اتفاقًا خبيثًا على عدم مساعدتهم، وأكثرهم ممن قرابتنا قوية، وممن خدمتهم أكثر.. اتفقوا، وتآخذوا عهدا بينهم على أن لا يرسلوا ريالًا، وأن يحاصروني حتى أخرج من بيتي أنا وأسرتي عريانين، و أن من يخين ويتواصل معي منهم تُمارس عليه العقوبة ذاتها.

ظروف قاهرة مررت بها، وتقفلت علي أبواب كنت أفتحها أمام آخرين حينما ظروفي متحسَّنة، والزمان زماني.. أبسطها أن بيتي لا يخلو يومًا، أو أسبوعًا من ضيوف.،أو طالبي.المعروف، وأقوم بالواجب وزيادة حبتين تجاه الأقارب والصهور، والزملاء، ويعرف الجيران أن بيتي بيت كرم كبير من كثرة السيارات قدًام البيت، ورثناه عن والدنا الذي كان يصل كل المعاريف، ومشينا على خطاه.

وقد عرفت بعد أن الكرم، أو الكرم الزائد مع كثير من الناس يعود عليك بالأذى.. درس أخذته متأخرًا، والحياة دروس.

كما علي أن أشير أن معظم الصحفيين في أبين شهرتهم كبيرة، ولكن يعيشون ظروفًا سيئةً أيامنا، وحتى الآن عدا قلًّة من المقربين من السلطة، أو الأحزاب، والصحفي المسكين ما يعرف أنه حتى أصحاب الملايين وكبار المسؤولين يحسدون الصحفي على شهرته ودوِّي سمعته، ويعرفون معاناته فلا يساعدون بما لديهم مقابل كتاباته وعطاءاته،وتغطياتهم لأنشطتهم، ومرافقهم بل يجدون المتعة في قهره وتعذيبه.. قهرهم الله.

الوضع كارثي بالنسبة لي..مرتبي قليل، وكنت أشتري بنصفه أدويتي وأنا مريض قلب، تضخم العضلة اليمنى، وضغط وكلى وثلاثة انزلاقات خفيفة.. وكنت أمشي بالمرتب المحدود الذي لم يتجاوز الثمانين.. وفي غياب أربعة عانت أسرتي، وتدهورت صحتي حتى أني كنت وقت ذاك أصلي في الجامع الكبير بجعار على الكراسي مع الشيوبة بين الشيخ المحبوب الإمام سليم الصبيحي، والشيخ التاجر الإمام محمد الشيباني، لا أزال أتذكر أني جئت متأخرّّا شوية فانتظمت في الصف، وجلست على الأرض وشاهدني الزميل العزيز د.عبدالسلام راجح نقيب هيئة التدريس بجامعة أبين، ولم يكن قد في الصلاة فأتى لي بكرسي من ركن المسجد، ونهضت من الأرض وصليت عليه.

في مثل هذه الظروف الكئيبة بل الأليمة ظهر رجل في حياتي غير كثيرًا من النظرة إلى نفسي وأهلي وواقعي وناسي بما قدَّمه له، وبما يمتلكه من ميكانيزم مؤثر في نفوس من يتعاملون معه، أو يتعرفون عليه.. ذلكم الرجل هو الأخ الأستاذ علي خضر ناصر مجمل رئيس التجمع اليمني للإصلاح فرع أبين، والمستشار التربوي للأخ المحافظ..

لحظة التعارف عندما كنا نصلي على الكراسي في جامع جعار، وبجانبي زميلي التربوي المرحوم عبدالله الصبيحي.. أكملنا صلاة المغرب، وكان علي الخضر وبعض من صحبه في الخط أمامنا فالتفتوا إلينا، وبدأنا نتحدث وننتقد الوضع، ونشكو سوء المنقلب.. كنت أكثر الحاضرين معاناة، ولاحظت أن علي كان يهتم بكلامي أكثر من الآخرين، ويوجه أسئلة قصيرة فأرد عليها لتتضح لهم الصورة أكثر.. طبعًا وضع مأساوي أن تكون أستاذًا جامعيًّا، وكاتبًا صحفيًّا مرموقًا، ورياضيًّا معروفًا، وناشطًا ثقافيًّا؛ وأنت ما في مطبخك حبة رز، ولا دقيق قليل.. ومعك أسرة عفيفة تعاني غدر الزمان، وجور الأقارب، وجحود الجيران، لأنك وحدوي، وظلم سلطة أبين...ومرتباتك الأربعة تم سرقتها، انتهى اللقاء بود، ولاحظت أو كأني سمعت علي يقول لبعض أصحابه: تعرف بيته تمام فرد بالإيجاب..

وكالعادة بعد صلاة العشاء نخرج مع صاحب صندقة إسماعيل عمر.. جار أصيل هو الوحيد، ونتجمع قدام صبًّة صندقته ونتوله.. نتناقش مع شعوري أن البعض ينهزم في النقاشات أمامي، وأتغاضى، ويمشي الوقت حتى حدث أن توقفت سيارة سوداء، وكان الجو ظلامًا إلا من ضوء صغير، وصاحب السيارة يدعوني باسمي فقمت.. طلع علي خضر، ووضع في يدي مبلغًا محدودًا من المال حاولت الاعتذار، وأصر، وأخذته. رجعت إلى مكاني فسألني البعض، وكعادتي صريح قلت باسمه وصفته.. علق أحدهم، وكان الأكثر غباءً في المجموعة: نحن ما نشتي اصحاب الاصلاح يدخلوا حافتنا، الله يجيرنا منهم، لم أرد عليه، وطبقت مبدأ جواب العيفة السكوت..

قلت في نفسي: بداية انفراجة، المبلغ سيمشي بي أربعة أيام، وبعد نصف ساعة.. عادت السيارة السوداء، ولاحظت بجانبها جاري حمار فوقه سلة غذائية.. فرحت بها كثيرًا، أخيرًا سنأكل مثل البقية، طلعتها بيتي، الدور الثالث من عمارتنا في قلب السوق، ولكن منذ سبع سنوات بعت بيتي في السوق، وبنيت منزلًا جديدًا في آثار جعار.. خطوة رائعة، ونبقى في السرد .. استكملت الجلسة مع أصحابي.. كلام ودي، نقاش عام، المهم ما في مسخرة أو شتم للإصلاح، وقلت لهم: لا علاقة لي بالإصلاح، أنا كنت في المؤتمر، والأخ علي.. صديق عزيز، أي تعاون شخصي.. وبعد مرور ساعة تقريبًا إلا وجاء جاري الحمار يحمل سلة ثانية فنهضت نشيطًا، وشكرت الأخ علي خضر كثيرًا، ودعوت له، وكان يجلس في سيارته الهيلوكس السوداء غير بعيد. فرحت أسرتي كثيرًا، وشبهت ما حصل اليوم بليلة القدر التي كان، عندنا، نجمها وهلالها، علي خضر.. هذا نقوله على سبيل المجاز، المهم كانت الليلة ليتنا، والفرحة فرحتنا.

أتصور علي الخضر بعد أن عرفني وسمع مني أو من بعض الزملاء، وكان مقتدرًا، وهو رجل خير، صعب عليه أن أكون بهذا المستوى أو النشاط الصحفي الكبير، وأُعامل بإهمال وحرب من سلطة أبين، ومحافظها أبوبكر حسين سالم مقرب الأصحاب، ومبعد الأجناب.. وقد أحس علي بشفقة تجاهي فقام بموقفه الأخوي الرجولي، وربما كان كذلك مع آخرين نشاركهم المعاناة.

.أقول ربما لأني لم أعرفهم.

بدأ علي تواصلي معي.. نتناقش كثيرًا عن الوضع الحالي.. نجلس في المقهى، الكافتيريا، هو لا يخزن، وعند المخزنين تجده أكثرهم نقاشًا وانبساطًا وطرحًا ناضجًا ويعرف كيف يستميل محدثيه.

كان يحاول إشعاري أنه لا يتفضل علي فيطلب مني مثلًا تصحيح لغوي لتعزية أو إعدادها كاملًا، أو لمقالة، وبعد يرسل لي ثلاثة ألف، أو خمسة ألف، وأنا متعود أصحح للكثيرين بما فيهم دكاترة منذ سنوات دون مقابل، طبعًا الخمسة الألف في عام 2015 مقارنتها بالوضع الحالي قيمتها كويسة.. وكذا الحال عندما نكتب عن فعاليات الإصلاح التي كانت فاعلة.. كان أكثر الصحفيين في أبين.. من المؤتمر، والإصلاح الذي سيطر بقوة وقاد المشهد ليس معه صحفيون كثر، لذا ضمت قيادة إصلاح أبين تحت جناحيها، وكانت تجتمع بهم في عدد من المناسبات سيما والأخ علي خضر كان وقتها قريبًا من المحافظ، ويعملان بتنسيق. كان مقر الإصلاح في زنجبار محطة توافد والتقاء لكل صحفيي أبين، وكنت لما تطلع تخلع أحذيتك في ممر او درج الدور الثاني، وتدخل حافي القدمين ربما الإشارة إلى أنك تدخل مكانًا طاهرًا. بدأ الصحفيون يحضرون إلى مقر الإصلاح دون خوف أو هيبة.. وهذا يرجع لجهود الأخ خضر الذي غيَّر كثيرًا من الصورة النمطية.

نظرًا لمكانتي الإعلامية كان الإصلاح يقيم بعض الندوات عن تقييم دور الإعلام في الفترة الماضية، وما ينبغي أن يكون عليه الحال فيكلفونني بإعداد ورقة الندوة الرئيسة، ويدعون الصحفيين من كل مكان للحضور إلى قاعة الإصلاح في مقره، وأقوم بإعداد الورقة /المداخلة، وأصورها على عدد الحاضرين، وألقي المحاضرة وسط حضور قيادة الإصلاح يتقدمهم الأخ علي خضر، حتى أذكر صحفيين يأتون من عدن مثل الأخوين الكاتب الرائع على منصور مقراط، والحقوقي البارز علي النقي، وهذا النشاط يجعلني أسترد شيئًا من وهج التفوق الصحفي السابق..سيما أني كنت قبل حرب الحوثيين متصدر المشهد الإعلامي في أبين من حيث كثرة النشر والتغطيات مثلًا كانت لي زاوية أسبوعية في صحيفة الميثاق لمدة أربع سنوات، وبشهادة رئيس التحرير محمد أنعم وقتها كثيرًا ما يطلع مقالي الأول في التقييم، رغم أن في الميثاق كان يكتب دكاترة وخيرة كتَّاب المؤتمر مثل عبده الجندي، وعلي مطهر العثربي وغيرهما، وكذلك كانت لي زاوية أسبوعية في صحيفة الرياضة الأسبوعية من ثلاث سنوات،وقبل كانت لي زاوية أسبوعية في صحيفة الغد الأسبوعية من صنعاء لمدة أربع سنوات، وذي كانت تصدر قبل ظهور عدن الغد، وتوقفت عام 2011 حينما انتقل رئيس تحريرها الزميل فيصل مكرم إلى صحيفة الثورة رئيسًا لتحريرها، وعدة تغطيات: أخبار، تقارير، استطلاعات، مقالات،وصور وتعليقات وغيرها، وقد توقفت عن الكتابة في الصحف الرسمية مباشرة بعد 21 سبتمبر، وهذا ما حز في نفسي.. تعودت النشاط، وضايقني كثرة أوقات الفراغ.

نشاط قوي فاعل.. كتبت في معظم الصحف اليمنية، وكذا في عدد من المجلات، وكنت، ولا أزال، معروفًا بالتصحيح اللغوي.. صححت لمداخلات، مقالات، وكتب، ورسائل ماجستير ودكتوراة.

مؤسف أن تكون لديك خبرات، مهارات، معارف في مجالاتك أكثر من رؤسائك بدلا من التقدير ومنح المكانة المستحقة يحاربونك بضراوة، ولو الأمر بيدهم لدفنوك حيًّا، أتذكر أن المفكر سيد قطب، وقد أحاطت به البلايا.. سخر من مواهبه فقال: يا شقوتي بمواهبي، وهي قصيدة أو مقطوعة كانت لدي فضاعت.

ووصلت إلى نهاية هامش الذكريات، وقد قال الجاحظ: "إن للكلام غاية، ولنشاط السامعين غاية"، وأرجو أن لا يمل القراء طول المادة بعض الشيء، وأن أكون وُفِّقَت في الرد على موقف، لمسة جميل حانية.

وأختم بكلمة شكر وتقدير للأخ علي الخضر الذي كان ظهوره في حياتي كظهور الخضر عليه السلام في حياة موسى عليه السلام على خلاف الفائدة، وأتمنى له كل توفيق وفلاح.