في فلسطين، لا يبدأ التاريخ من الفاتحين، ولا ينتهي عند الغزاة.
هنا، التاريخ يُقاس بمن بقي… بمن تجذّر في الحجر، وتشرب من زيتون الأرض، وحملها إيمانًا وهويةً ومصيرًا.
وفي هذا المعنى العميق، كان المسيحي الفلسطيني — وما زال — أحد أقدم وجوه الحكاية، وأصدق شهودها، وأشدّ حرّاسها وفاءً.
لسنا أمام سردية طائفة، بل أمام فصلٍ أصيل من فصول الهوية الوطنية الفلسطينية؛ فصلٍ كُتب بالعلم والعمل، بالصلاة والصمود، بالكلمة والموقف، وبالدم حين لزم الأمر.
من خليل بيدس… حين نهض الوعي قبل البندقية
في بدايات القرن العشرين، وقبل أن تتبلور الحركة الوطنية الفلسطينية بشكلها التنظيمي، كان هناك مثقفون رأوا الخطر مبكرًا، ورفعوا الصوت حين كان الصمت أسهل.
من بين هؤلاء برز اسم خليل بيدس، الأديب والمفكر الأرثوذكسي، الذي لم يكن مجرد كاتبٍ أو مترجم، بل كان من أوائل من دقّوا ناقوس الخطر تجاه المشروع الصهيوني والاستعمار البريطاني. في موسم النبي موسى عام 1920، وقف بيدس يخاطب الجماهير بلغةٍ مشبعة بالوعي والغيرة الوطنية، محذرًا من الهجرة المنظمة، ومن تحويل فلسطين إلى وطنٍ لغير أهلها.
لم يكن خطابه دينيًا، بل وطنيًا جامعًا. كان يتحدث باسم شعب، لا باسم طائفة. ومن تلك اللحظات المبكرة، بدأ يتشكل ذلك الوعي الفلسطيني الذي يرى في المسيحي والمسلم شريكين في الأرض والمصير، لا متجاورين على هامش الخوف.
التعليم والنهضة… حين كان القلم شكلًا من أشكال المقاومة
لم يكن الدور المسيحي الفلسطيني في بدايات القرن العشرين سياسيًا فقط، بل حضاريًا بامتياز. المدارس، المطابع، الصحف، الجمعيات الثقافية — كلها كانت مساحات اشتباك مع الجهل والتخلف والاستعمار معًا.
المسيحي الفلسطيني فهم مبكرًا أن معركة الوجود لا تُخاض بالسلاح وحده، بل بالعقل أيضًا. فكان التعليم استثمارًا وطنيًا، وكانت الثقافة جبهة من جبهات الصمود. وهنا تلاقت الجهود مع إخوانهم المسلمين في مشروع نهضوي واحد: بناء إنسان فلسطيني واعٍ، يعرف تاريخه، ويدرك ما يُحاك لوطنه.
الانتفاضة الأولى… حين توحّد الحجر والإيمان
مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى أواخر عام 1987، لم تسأل الحجارة عن ديانة اليد التي حملتها. كانت الانتفاضة ثورة مجتمع كامل، ثورة
كرامة شعب قرر أن يقول “لا” بوسائله البسيطة، وبوحدته العميقة.
في القدس، سقط نضال الربضي شهيدًا في 19 تموز 1988، ليصبح أول شهيد مسيحي من القدس في تلك الانتفاضة، وأحد رموزها المبكرين. حاول جنود الاحتلال خطف جثمانه، وكأنهم أرادوا أن يعاقبوا الجسد بعد الروح، لكن شباب الانتفاضة هرّبوه عبر أزقة البلدة القديمة، إلى بيت أهله، ثم إلى الكنيسة.
ذلك المشهد لم يكن مجرد عملية تهريب، بل كان بيانًا وطنيًا صامتًا:
الشهيد ليس لطائفته… الشهيد للوطن.
وفي غزة، كان خضر الترزي شاهدًا آخر على أن المسيحي الفلسطيني لم يكن خارج المشهد، بل في قلبه، يدفع الثمن ذاته، ويحلم بالحلم ذاته.
الكنيسة في صف الشعب… الإيمان حين ينحاز للعدالة
خلال الانتفاضة، لم تبقَ الكنيسة الفلسطينية على مسافة آمنة من الألم. صدرت بيانات واضحة تدعم حقوق الشعب الفلسطيني، ووقف رجال الدين المسيحيون إلى جانب نظرائهم المسلمين في المسيرات والاعتصامات.
وفي هذا السياق التاريخي، جاءت رسامة البطريرك ميشيل صباح كأول بطريرك لاتيني فلسطيني، حدثًا لم يكن كنسيًا فحسب، بل وطنيًا بامتياز. لقد مثّلت تلك اللحظة انتقال الكنيسة المحلية من موقع المتضامن إلى موقع الشريك الكامل في معاناة الشعب، وأكدت أن الكنيسة في فلسطين ليست مؤسسة منفصلة عن شعبها، بل جزء حيّ من نسيجه الوطني.
مواقف البطريرك صباح لم تكن خطابات دبلوماسية، بل مواقف أخلاقية واضحة تربط بين الإيمان والعدالة، وتؤكد أن السلام الحقيقي لا يقوم على الظلم، وأن الكرامة الإنسانية هي المدخل الوحيد لأي مستقبل عادل في هذه الأرض.
إدوارد سعيد… حين أصبحت فلسطين فكرة عالمية
وإذا كان الحجر قد تكلم في شوارع فلسطين، فإن الكلمة تكلمت في جامعات العالم. وهنا يبرز اسم المفكر الفلسطيني المسيحي إدوارد سعيد، الذي لم يحمل بندقية، لكنه حمل فلسطين إلى أروقة الفكر العالمي.
بكتبه وأفكاره، خاصة حول الاستشراق والهوية والسردية، ساهم سعيد في تفكيك الرواية الاستعمارية عن الشرق وفلسطين، ووضع بذور وعي جديد داخل الجامعات الغربية، وخصوصًا في الولايات المتحدة. ذلك الوعي الذي نرى اليوم ثماره في حراكات طلابية واسعة ترفع صوت العدالة لفلسطين، وترفض تزييف التاريخ.
إدوارد سعيد لم يكن مجرد أكاديمي؛ كان ضميرًا فلسطينيًا يتحدث بلغة يفهمها العالم، ويُحرج بها الظلم في عقر داره.
حنان عشراوي… صوت فلسطين بوجه إنساني
وفي الميدان السياسي والدبلوماسي، برزت الدكتورة حنان عشراوي كأحد الوجوه الفلسطينية المسيحية التي جمعت بين الصلابة الوطنية والقدرة على مخاطبة العالم بلغة حضارية راقية.
كانت جزءًا من المشهد القيادي في مرحلة مفصلية، وقدّمت صورة للمرأة الفلسطينية المثقفة، القادرة، والمنتمية بعمق لقضية شعبها. حضورها لم يكن تمثيلًا لطائفة، بل تعبيرًا عن تنوع فلسطين وغناها الإنساني.
حراسة الهوية… التراث كجبهة مقاومة
ولأن المعركة على فلسطين ليست فقط على الأرض، بل على الرواية والذاكرة، برزت جهود شخصيات ومؤسسات مسيحية فلسطينية في حراسة التراث والهوية، باعتبار أن حماية الذاكرة شكل متقدم من أشكال المقاومة.
وهنا يبرز اسم الباحثة الفلسطينية مها السقا، الملقبة بـ "حارسة التراث الفلسطيني"، التي أسست في بيت لحم عام 1991 مركز التراث الفلسطيني. لم يكن هذا المركز مجرد مساحة عرضٍ فلكلوري، بل مشروعًا وطنيًا لحماية الهوية من السرقة والتزوير. ركّزت السقا على إحياء فن التطريز الفلسطيني والأزياء التقليدية، ليس بوصفها ملابس تراثية، بل كوثائق حيّة تحكي قصة المكان والناس.
من خلال الورش والمعارض والمحاضرات، ومن خلال توفير فرص عمل لنساء من القرى والمخيمات، تحوّل التراث إلى فعل صمود يومي. وساهمت هذه الجهود في إيصال التطريز الفلسطيني إلى العالمية، حتى جرى تسجيله ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي في اليونسكو. هكذا يصبح الثوب الفلسطيني بيانًا سياسيًا صامتًا، وتصبح الإبرة أداة مقاومة تحفظ ما يحاول الاحتلال طمسه.
شيرين أبو عاقلة… حين بكى الوطن بصوت واحد
في عام 2022، عندما استُشهدت الصحفية الفلسطينية المسيحية شيرين أبو عاقلة، لم يكن المشهد جنازة صحفية فقط، بل لحظة تجلّت فيها وحدة الشعب الفلسطيني بأوضح صورها.
في جنازتها، حمل شبان مسلمون نعشها على الأكتاف، وحموه بأجسادهم من بطش الاحتلال. لم يكن ذلك موقفًا رمزيًا عابرًا، بل تعبيرًا طبيعيًا عن حقيقة راسخة: الدم الفلسطيني لا يُصنَّف، والوجع الفلسطيني لا ينقسم.
نقول: حين يتكلم الوطن بصوت الإيمان
وأنا أكتب عن المسيحي الفلسطيني، لا أكتب عن مكوّنٍ في لوحة، بل عن لونٍ أصيل في دم هذه الأرض. أكتب عن أناسٍ لم يغادروا التاريخ يومًا، لأنهم لم يغادروا المكان. عن إيمانٍ لم يكن انعزالًا عن الوطن، بل طريقًا أعمق للانتماء إليه.
في فلسطين، السياسة ليست لعبة مصالح فقط؛ إنها سؤال أخلاقي كبير: هل يقف العالم مع الحق أم مع القوة؟ وهنا يلتقي النضال الوطني بالرسالة الروحية. فالمسيحي الفلسطيني حين يتمسك بأرضه، لا يدافع عن حجارة فقط، بل عن معنى العدالة ذاته؛ عن حق الإنسان أن يعيش حرًا على أرضه، مرفوع الرأس، غير خاضعٍ لاحتلال ولا منفيًّا عن تاريخه.
لهذا لم يكن غريبًا أن يقول المطران عطا الله حنا:
“قضيتنا ليست قضية سياسية فحسب، بل هي قضية كرامة إنسانية وعدالة. نحن لسنا طارئين على هذه الأرض، بل نحن من جذورها.”
وعندما نتأمل رسالة السيد المسيح عليه السلام، نجدها منحازة بوضوح للمظلومين، فهو القائل:
“طوبى للجياع والعطاش إلى البرّ لأنهم يُشبعون.”
من هنا، فإن وحدة الفلسطينيين — مسلمين ومسيحيين — ليست تحالف ضرورة، بل وحدة جذر ومصير. دم الشهداء لم يُسأل يومًا عن ديانته، والأم الثكلى لا تبكي ابنها بلقب طائفي، والأسير في زنزانته لا يُعرّف نفسه إلا باسم فلسطين.
فلسطين ليست حكاية طوائف…
فلسطين حكاية شعب.
وشعبٌ يحمل قضيته كقيمة أخلاقية، لا كصراعٍ عابر، لا يمكن أن يُهزم في النهاية.
م. غسان جابر - قيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.