في جغرافيا ملغومة بالولاءات، وسماء تمطر أيدلوجياتٍ متصادمة، نادراً ما تنجو الكلمة من فخ القيد أو إغراء البيع.
لكنّ ثمة إستثناء يفرض نفسه على المشهد اليمني، قلمٌ قرر ألا يكون صدىً في جوقة العبث، بل صوتاً يبحث عن "الحقيقة" وسط ركام التضليل.
لقد تجسدت في هذا المسار ملامح السقراطية الصحفية؛ تلك التي لا تكتفي بنقل الخبر، بل تولد الوعي من رحم المعاناة، وتوقظ العقول بأسئلةٍ ترفض المهادنة، وتنبش في ضمير المجتمع عما تبقى من وطن.
إن سرَّ هذه الثقة التي انتزعها هذا القلم من مخالب الصراع، تكمن في قدرته الفذة على الوقوف في المسافة الصفر من وجع الإنسان، بعيداً عن خنادق الأدلجة.
في زمنٍ صار فيه الإعلام خادماً للأجندات، إختار هو أن يكون خادماً للواقع؛ فبينما كان الجميع ينحاز لرايةٍ أو حزب، كان هو ينحاز لرغيف الخبز، وكرامة المواطن، وسيادة الدولة. هذه الحيادية المقاتلة — إن جاز التعبير — هي التي جعلت منه مرجعاً يتفق عليه الخصوم قبل الأصدقاء؛ ليس لأنهم يحبون ما يكتب بالضرورة، بل لأنهم يثقون في أن ما يكتبه لا يُباع في سوق النخاسة السياسية.
ولم تكن مؤسسة "عدن الغد" في هذا المخاض مجرد وعاءٍ إخباري، بل غدت "أغورا" اجتماعية ومنبراً إنسانياً يتجاوز حدود الورق والشاشات.
لقد صاغ من خلالها فضاءً تنصهر فيه القضايا الإنسانية والسياسية، محولاً إياها إلى رئةٍ حقيقية يتنفس عبرها المظلومون، وحائط صَدٍّ منيع أمام محاولات تجريف الوعي.
فمن خلالها، لم يكتفى برصد الحدث، بل بادر بصناعة الأمل عبر المبادرات المجتمعية وتسليط الضوء على معاناة البسطاء، لتصبح المؤسسة امتداداً لضميره المهني، وشاهداً حياً على أن الصحافة الحرة هي من تصنع المجتمع لا من تقتات على أوجاعه.
لقد استطاع هذا الصحفي الجسور أن يفكك شفرة التبعية التي كبلت الأقلام، محولاً حضوره إلى ميدانٍ عام تتكسر عليه نبال التحريض.
تميزه لم يكن في صياغة الجمل الأنيقة فحسب، بل في تلك الموثوقية التي عُمّدت بالملاحقات واقتحام المقرات والتهديدات المستمرة.
إن صموده في قلب عدن، ورَفْضه مغادرة مربع المسؤولية الأخلاقية، أعطى لكلماته وزناً أثقل من الرصاص؛ فالمصداقية لا تُشترى بالتمويل، بل تُكتسب بالثبات على المبدأ حين تزلُّ الأقدام.
حين يشتد الصراع وتختنق الرؤية بضباب الحرب، يهرع اليمنيون صوب ذاك الحرف الذي لا يخون، باحثين عن بصيصٍ من عقلانية وسط جنون الانتماءات الضيقة.
إننا لا نقرأ صحافةً تقليدية، بل نقرأ وثيقة صمود لضميرٍ يمنيٍّ أبى الانكسار.
إن التاريخ الذي ينصف الرواد، سيقف طويلاً أمام هذه التجربة التي أعادت للكلمة هيبتها وسلطتها الأخلاقية؛ ليبقى فتحي بن لزرق علامةً فارقة في جبين الصحافة اليمنية، وسقراطاً لم يتجرع السمّ، بل سقى بوعيه عطشَ أمةٍ تفتش عن الحقيقة.