آخر تحديث :الإثنين-02 فبراير 2026-08:37م

حين يُكافأ المجرم: كيف تُصنع دوّامات العنف باسم التسامح

الإثنين - 02 فبراير 2026 - الساعة 05:38 م
صالح عبد الله باحتيلي

بقلم: صالح عبد الله باحتيلي
- ارشيف الكاتب



في المجتمعات التي تخرج من الحروب والمعارك السياسية، لا تكون الكارثة الحقيقية في الدم الذي سُفك فقط، بل في الطريقة التي يُتعامل بها مع من سفكوه بعد النصر. فالتسامح مع المجرمين، أو مع ذاكرتهم الإجرامية بعد مرور الزمن، لا يُنتج سلامًا ولا استقرارًا، بل يُنتج منطقًا مريضًا يتوارثه الجميع: اقتُل، انهَب، اعذِب… فإما أن تنتصر، أو سيعفو عنك المنتصر لاحقًا.

هذا المنطق هو أحد أهم أسباب استمرار الفوضى في اليمن، واستمرار دورات الاقتتال بلا نهاية. فاليمن لم يعرف يومًا قطيعة حقيقية مع الإجرام السياسي والعسكري، بل عرف فقط تبدّل العصابات. تسقط عصابة، لتصعد أخرى، لا تختلف عنها في الجوهر، بل فقط في الشعارات، لا توجد أرقام لسياسيين وعسكريين مجرمين تمت محاكمتهم .

في كل مرة، تأتي منظومة جديدة لا يعنيها تطبيق القانون، ولا محاسبة القتلة، ولا استرداد المال العام، ولا إنصاف الضحايا. ما يعنيها فقط هو أن تظهر في صورة “المنقذ المتسامح الرحيم”، حتى لو كان ثمن هذا “التسامح” هو دم الأبرياء، وحقوق الناس، وأموال الشعب المنهوبة. وهكذا تستمر الجريمة، لا كحدث طارئ، بل كنظام حكم.

تتوالى الحكومات، ويتغير الخطاب، لكن الواقع واحد: فساد ممنهج، نهب علني للمال العام، انتهاكات مستمرة لحقوق الإنسان، تعذيب، إخفاء قسري، وقادة عسكريون يتصرفون فوق القانون. وحين يُسأل أحدهم عن العدالة، يأتيك الجواب الجاهز: “دعونا نطوي الصفحة”. لكن هذه الصفحة تُطوى فقط على كرامة الضحايا.

بهذا الأسلوب، تستمر عملية التحكم بالشعب. شعب جائع، مسحوق، يُطلب منه أن يهتف لمن سرقه، ويصفق لمن قمعه. تُرمى الفتات لقلة من البلاطجة، ليقوموا بتحريك الشارع، بينما يُترك للفقراء الوهم. ليس لأن الشعب غبي، بل لأن الجريمة حين تتحول إلى نظام، تصبح المقاومة مكلفة.

حضرموت تقدم مثالًا فاضحًا لهذه الجريمة المزدوجة: جريمة القتل، ثم جريمة محو الذاكرة. ما جرى عام 1967 من اجتياح واحتلال حضرموت على يد الجبهة القومية، وما رافقه من سحل وقتل وإخفاء وتشريد قُدّر بمليون حضرمي، لم يكن “خطأً تاريخيًا” ولا “سوء تقدير سياسي”. كانت جرائم واضحة، بقادة معروفين، وبأسماء لم تختفِ من الذاكرة وعلي أحدهم.

ثم يأتي اليوم من يقترح، ببرود وقاحة، أن نُسمّي شارعًا باسم أحد أولئك. لا اعتذار، لا محاسبة، لا حتى اعتراف بالجريمة. فقط تحويل المجرم إلى رمز، والضحية إلى رقم منسي. هذا ليس مخزيًا فحسب، بل إعلان صريح بأن الجريمة كانت صائبة، وأن الضحايا كانوا خطأ.

وإذا قبلنا بذلك اليوم، فلماذا نرفض غدًا أن نُسمّي شارعًا آخر باسم أبي علي الحضرمي؟ أو شارعًا ثالثًا باسم عيدروس الزبيدي؟ ما الفرق؟ طالما المعيار ليس العدالة، بل موازين القوة، او التسامح الغبي، فكل مجرم يملك نفوذًا يحق له أن يتحول إلى بطل، ولو بعد حين.

لكي لا يحدث ذلك، لا بد من الاقتصاص للذاكرة الحضرمية على الأقل. إذا كانت المحاكم غائبة أو مُعطّلة، فلا يجوز تعطيل الذاكرة أيضًا. أقل ما يمكن فعله هو منع تحويل المجرمين إلى أبطال، ومنع تزييف التاريخ، ومنع تدنيس الألم وجرح مشاعر الناس بلافتات الشوارع. العدالة المؤجلة تُنتج جرائم جديدة. والتسامح مع القتلة لا يصنع سلامًا، بل يعلّم القادمين أن القتل طريق مشروع. أما الذاكرة، فهي آخر ما تبقى للضحايا… ومن يفرّط فيها، يقتلهم مرة أخرى. المحامي صالح باحتيلي النعماني – محام مترافع أمام المحكمة العليا- مراقب لحقوق الانسان.