بقلم / عدنان زين خواجه
في خضم التحولات السياسية والاقتصادية التي تعصف بالجنوب، بات من السهل على البعض أن يقفز فوق الجدار القصير، متجاهلاً تاريخًا من المواقف والنضالات، ومستسهلاً لغة السخرية والاستهزاء بكل من غيّر موقفه أو عدّل مساره. غير أن هذا الأسلوب، وإن بدا للبعض تعبيرًا عن ثبات مبدئي، فإنه في حقيقته يخلق ضغائن أكثر مما يحفظ رصيد الإنسان النضالي، وينفّر أكثر مما يقرّب.
ليس من المنطقي أن يُطلب من الناس أن يرتدوا زيًا موحدًا أو يشربوا من إناء واحد في السياسة والحياة. فالحياة بطبيعتها تقلبات، والظروف تتغير، والإنسان ابن واقعه الاقتصادي والاجتماعي قبل أن يكون أسير شعاراته. اليوم يقف كثير من المواطنين في قعر الجب، في واقع اقتصادي قاسٍ يكاد يبتلع أحلامهم، وكل واحد منهم كيوسف ينتظر من يلتقطه. ومن سنحت له فرصة للخروج من عمق هذا الجب لن يتردد في اغتنامها، لأنه لا يريد أن يقضي عمره كله في العتمة.
ليست الأمثلة محصورة في شخص بعينه، فالتحولات طالت كثيرين. تبدلت نبرات، وتغيرت مواقف، وشعر بعضهم أن الحياة لا تستوجب خصومة دائمة مع نعيمها، وأن اغتنام الفرص ليس خيانة بالضرورة، بل قد يكون استجابة لضرورات قاسية. وهناك من سبق غيره بسنوات في هذا المسار، لكن الذاكرة الانتقائية تختار من تنتقده وفق اللحظة لا وفق السياق.
من القسوة أن نُحقّر إنسانًا لأنه غيّر موقفه دون أن نحيط بظروفه؛ فربما كانت الظروف أقوى من شعاراته، وربما كان الواقع أعتى من أحلامه. مئات، بل آلاف، غيّروا تطلعاتهم حين لاحت أمامهم فرصة، وتركوا خلفهم مركبًا تتقاذفه الأمواج. وليس من العدل أن نطالب الآخرين بالزهد بينما نغفل عن مسؤولية من بيدهم القرار في تحقيق العدالة.
لقد مرت سنوات طويلة كنا فيها نصرخ من الألم ونعدد المآسي التي يعيشها عامة الناس، لعل أصحاب النعم يتذكرون أن أولى المهام هي إقامة العدل، وأن الفقر ليس عيبًا إن اجتمع مع السياسي أو القيادي أو العسكري. التاريخ يخلّد أسماءً ماتت وهي في هرم السلطة لكنها كانت فقيرة اليد نظيفة الذمة، مقارنةً بما يجنيه اليوم من يتبوؤون أنصاف المناصب.
إن المواقف الوطنية لا تطلب من الفقير أن يظل وطنيًا جائعًا. الوطنية لا ينبغي أن تكون عقوبة، ولا أن تُختبر على موائد خاوية. السياسة حين تُغمس بالمال والمصالح هي التي تستحق النقد، لأنها تتبدل وفق القيمة السوقية لما يُسمى بالعمل الوطني، في نظر من يعرفون جيدًا ماضي بعض الشخصيات وحاضرها.
وسط كل هذا الجدل، لا ينبغي أن ننسى من هم في قعر الجب؛ أولئك الذين لا يملكون ترف تبديل المواقف ولا رفاهية التنقل بين المعسكرات. هم الغالبية الصامتة التي تدفع ثمن كل التحولات، وتبقى عالقة بين شعارات الكبار وتقلبات المصالح.
الاختلاف في المواقف لا يبرر الاستهزاء، وتبدل الاجتهاد لا يعني سقوط القيمة الإنسانية. أما النقد الحقيقي فيجب أن يتجه نحو السياسات التي صنعت هذا الواقع، ونحو منظومة المصالح التي حولت العمل الوطني إلى سلعة، ونسيت أن في قعر الجب شعبًا بأكمله ينتظر عدلًا يخرجه إلى النور.