في فلسفة المشاعر البشرية، يُنظر للحب دائماً على أنه "طوق النجاة" ومحرك الحياة، لكنني هنا أفتح نافذةً مغايرة ومؤلمة على زاوية لم نعتد تأملها:
انه *الحب المفرط*.
فهل يمكن للحب، وهو أسمى العواطف، أن يتحول إلى فخٍّ يطبق على صاحبه عند الفراق؟
استهل هدا البوح هنا باعتراف إنساني عميق ، وأضع يدي على جرحٍ غائر واصفاً لكم الحب المفرط بأنه وجه آخر
لـ"التفريط". !!
في حياتي احببت كثيراً من الناس..اما
لصلة قرابة ، او لصداقة ، او جميل معروف ، او حسن خلق ، اوطيبة نفس ، او لعلم شرعي ..احببت اولادي جميعاً.. احببت الطبيعة الخلابة.. احببت الجمال شكلاً ومضموناً ..احببت الحياة رغم تقلباتها..
*احببت .. واحببت .. واحببت..*
لكنني لم احب حباً مفرطاً الا لثلاثة.. فكان وبالاً علي ..
فالحب المفرط كالتفريط تماماً..
إذا كان التفريط يسرق منا الأشياء الثمينة، فإن الإفراط في الحب يجعلنا عرضة لفقدان *أغلى ما نملك* دفعة واحدة، ويتركنا في مهب الريح بلا سند.
الثلاثة الذين احببتهم حباً مفرطاً لدرجة الهوس هم:*ولداي احمد ومحمد وامهما.*
كنت لا ارى وجودي، بدونهم كنت اراهم تاجاً يزين راسي.. كنت افتخر بهم ايما افتخار.. وكدت باخمصي أطأ الثريا فرحاً واعتزازاً بهم..
فولداي كانا قمة في الطاعة لله ثم الطاعة للوالدين والتواضع والاخلاق ، كانا لايتصنعان خدمتي بل يعتبرانها جزء من حياتهما ويفرحان لقبولي خدمتهما..
وفوق، ذلك فهما ابناء المسجد الذي أكاد اراه يحن لفراقهما.
كنت ارى فيهما تعويضاً لتعب السنين وثمرة لحياة قاسية عانيتها طويلاً حتى استقرت احوالي..
كنت ارى فيهما نسلي وخلفي الذي سيحفظني بعد موتي بالدعاء ( وولد صالح يدعو له) فابى القدر الا ان اكون انا ادعو لهما.. يا للمفارقة العجيبة!!
ان فقدانهما مصيبة واي مصيبة.!!
ويابى القدر الا ان يقسم ظهري بموت زوجتي التي كانت لي سكناً وسكينة وملاذاً عند الشدائد .. تواسيني اذا تأزمت ، وتفرح معي، اذا فرحت وتغضب معي، اذا غضبت وتقف بجانبي في مواجهة تقلبات الحياة..
تحملت معي اياماً صعبة من الفقر والحاجة وهي، صابرة محتسبة لاتشكو ولاتتذمر بل تقويني بعزيمة لاتلين.
كانت نعم الزوجة الصالحة ( وخير متاع الدنيا المراة الصالحة) كانت تتعامل معي لا كزوج يجب احترامه وخدمته والوقوف معه فحسب بل كانت تعاملني كابن مدلل تراعي مشاعري وتتحمل شقاوتي وتتودد الي وتخدمني بكل رضى وحب وتتفقد احوالي وتسال عني اذا غبت ولو لساعات.. وتسهر علي الليالي اذا مرضت.
لقد عوضتني، عن سنين الحرمان واليتم التي عشتها منذ نعومة اظفاري حين وعيت على هده الدنيا يتيم الاب.
كانت اماً حقيقية فوق كونها زوجة.
لقد هدني فقدها الفجأئي.. جعلني أشعر كأنني تائه في صحراء الحياة وحيداً في متاهات الوجود.. حتى انني كرهت الحياة بعدهم.. ولكني اخاف الله.
برحيل هؤلاء الثلاثة، تحولت حياتي إلى ما يشبه "التيه في صحراء الوجود". هذا الشعور بالوحدنية المطلقة بعد حب مفرط هو ما جعلني أطلق صرخة تحذير لكل من يقرأ: "لا تحبوا أحبابكم بإفراط"وصدق من قال:
(ما زاد عن حده انقلب ضده.) انها نصيحة من عمق الوجع.
تجربتي المفعمة بالألم تدفعني لاستحضار حكمة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين قال: *أحبب حبيبك هوناً ما...
هي دعوة للتوازن الشعوري، وحماية النفس من صدمات القدر التي قد لا تقوى القلوب على تحملها .. فان الحب المفرط لايليق الا بالحي الذي لايموت.
*لاأراكم الله مكروهاً ايها القراء الاعزاء*